حتى لا تتكرر جريمة حمود!
جمال الطاهات
حتى لا نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه أبنائنا، يجب ضمان عدم تكرار جريمة حمود النكراء. القتلة المارقين الذين ندينهم، تربوا بيننا ولم يسقطوا علينا من المريخ. هم منتج تقصيرنا وعجزنا عن الارتقاء لمستوى التاريخ الذي نغنيه. وعلامة عجزنا هو بدء التحلل والتفكك. فالموت يبدأ بالعجز عن صيانة وتجديد الروابط بين مكونات وأجزاء الجسد. ميراثنا عظيم ومشرف. فهل ما زلنا نستحقه، ولدينا الشجاعة والقدرة لحمايته وتجديده؟
وحتى نحافظ على وجودنا، ونثبت قدرتنا على تحمل الجراح وإبرائها ومعالجتها، هناك “خمس فخاخ” تعيق الاستجابة المتطورة والواعية للتحديات، يجب تجنبها مهما بلغت حلاوة الطعم المقدم فيها:
1- فخ التنصل من المسؤولية. كل من في الأردن، مسلم ومسيحي، مؤمن أو ملحد، متدين محافظ أو عابث مستهتر، معارض أو جزء من العصابة الحاكمة، مثقف أو أمي، غني أو فقير، مسؤول عن انتاج العقل المتعفن الذي ارتكب جريمة يوم الجمعة السوداء. التنصل من المسؤولية، طُم مغري، ولكن الاستسلام لغوايته دليل على عجز المتنصلين، وانهم ليسوا اهلاً لصناعة المستقبل وضمان عدم تكرار الجريمة.
2- فخ الحلول المعلبة. السببية الخطية، والقفز لتفسير ظاهرة مروعة بعامل واحد. هناك مجرم واحد، حين نكون بصدد بحث قضائي عن فاعل. ولكن لا توجد ظاهرة (مثل التطرف) أو حدث في الطبيعة، مثل الزلازل والعواصف، يمكن تفسيره بعامل واحد مهما بلغت أهميته، ومهما بلغت درجة الارتباط الإحصائي أو التاريخي بينه وبين النتيجة. محاولة إغراء شعبنا بطُعم تفسير الحدث بعامل واحد أو سبب وحيد، يكشف عن عقلية انتهازية، تسعى لتوظيف الكارثة لتحقيق بعض المكاسب الرخيصة، وتحول البحث عن الحقيقة لمنع تكرار الكارثة، إلى موسم لتصيد الفرص. فمنذ بدايات القرن الثامن عشر، وهناك موقف فكري واضح بدأه توماس هوبز بالدعوة لتطوير العقل لاستيعاب تسامي الطبيعة فوق السببية الخطية. فهو يقول بكل بساطة أن الطبيعة كما المنظومات السياسية والاجتماعية لا يمكن تفسيرها بالسببية الخطية. ومنتجات العلم، في الفيزياء، كما في الاقتصاد، وبقية العلوم الاجتماعية، تؤكد على تعالي الظواهر عن التفسير بالسببية الخطية. والظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية بالذات، تفسرها نظرية النُظم، التي تقدم بديلاً علمياً وعملياً متطوراً للسببية الخطية.
3- فخ التلاوم، والسقوط الذي وُصِفَ في سورة القلم: “فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون”. فحين يبتلع ورثة تراث نبيل وعظيم من الوحدة والتلاحم طُعم التلاوم، عليهم فرادى وجماعة ان يقروا بأنهم “طاغين”. وهذا الإقرار هو مفتاح النجاة من الفخ. أن نعترف بمسؤوليتنا جميعاً عن الخطأ، ضرورة ليشتق كل منا دوره لمنع تكراره. والقيم العليا التي تنشئ وحدة الشعوب، كما وصفها مونتسكيو تتجلى في كونها معيار لمسؤولية الفرد (أو الأجزاء والأقاليم) تجاه الجماعة. إذ تسقط كل روابط الوحدة وقيمها العليا التي انتجتها، حين يلوذ كل جزء بالبحث عن نجاته فقط، وتحميل المسؤولية للآخرين.
4- فخ نظرية مؤامرة الموساد. الطُعم المقدم بهذا الفخ وظيفته واضحة، تخدير الوعي العام وإعاقته عن اكتشاف الخلل الذي يسمح بنجاح المؤامرة. إغواء شعبنا بابتلاع طُعم نظرية المؤامرة، جريمة لا تقل خطورتها عن جريمة الجمعة السوداء. وفخ نظرية المؤامرة هو الجزء الأخطر من المؤامرة الصهيونية على الأردن، من حيث إنه يخدر الناس، ويعيق الوعي عن العمل لمنع تكرار الجريمة. المؤامرة الخطرة هي محاولة شل قدرة شعبنا وتشويشه لإعاقة تشكيل استجابته المتطورة التي تمنع تكرار الجريمة. والرد على مروجي طُعم فخ نظرية المؤامرة: كان الحري بنا، ونحن نعرف عدونا، ان لا نمنحه الفرصة ليجند أبناءنا ويحولهم إلى مجرمين يطلقون النار على صدور واساتذتهم واطبائهم ويروعوا امهاتهم واخواتهم مرتين. المؤامرة الخارجية يا سادة يا كرام، موجودة في كل الصراعات، ولكن تفاهة العقل الذي يدير بلادنا وفساده، هو من مكن هذه المؤامرة من ان تخترقنا، وتجند بعض أبنائنا ليطلقوا النار على صدورنا. فخ نظرية المؤامرة: هو أن نقتنع بأن كل شيء تمام، وبدلاً من التطور نتحول إلى حراس للضعف والتخلف والترهل الذي ينجح كل المؤامرات. مما يجعل التفسير بالمؤامرة هو المؤامرة التي يجب منعها من شل قدرات شعبنا عن التصدي للحدث ومنع تكراره.
5- فخ رد الفعل الغريزي. كل الجماعات التي تلجأ لردود فعل غرائزية، تشبه ردود فعل القطعان للخطر، هي بكل بساطة تعطل عقلها وتتخلى عن فرصة انتاج استجابة متطورة ترتقي لمستوى الخطر. وما يميز الشعوب الحية والحرة، ليس قول المستبد الفاسد بساعة الخطر بانه (سيضرب بيد من حديد أو خشب وليف). الاستجابة للحدث المروع، بالضرب ومحاولة الانتقام، دليل على غياب العقل عن الدولة، وعلى شعبنا ان يثبت انه أكثر نضجاً ممن استعانوا بالاستعمار لسرقة دولته. فحين يحمل الأخرق شاكوشاً يرى العالم مجموعة من المسامير يتشوق لضربها. وتكون النتيجة جريمة مروعة أخرى يقتل فيها عدد من أطفالنا في سوريا، يجب ان نعلن بوضوح انها مسؤولية المستبد الفاسد وعائلته، وليست باسم الأردن ولا تعبر عن وجدان الأردنيين.
وحتى نثبت أننا شعب حي قادر على الارتقاء لمستوى الحدث، ولسنا كتلة بليدة يمكن اصطيادها بفخاخ تافهة، ثم ضربها تسعة وستين كف على غفلة. ولإثبات أننا شعب لديه القدرة على تطوير حاضره وصناعة مستقبله، ولسنا مجرد قطعان تحتاج إلى وصاية أحد، من الضروري التمسك بخيارات فعالة تمنع تكرار الجريمة. وهذا يتطلب تطوير منظور وطني لاحتواء الأخطار المتعاظمة للمركب الأمني-السياسي-الثقافي المعاصر، وذلك من خلال:
1- كشف العجز الأمني الذي سمح بحدوث جريمة حمود، وهذا ليس من أجل تحميل المسؤولية للأجهزة الأمنية، ولكن لضمان عدم اخفاقها وتعثرها مستقبلاً. الثقة الوطنية بالمستوى المهني للأجهزة الأمنية يجب أن يتعزز بمنع إعاقتها عن القيام بواجباتها المهنية، ومنع إغراقها بواجبات سياسية بائسة، مثل ملاحقة النشطاء النقابيين، والأحزاب السياسية المدنية، وملاحقة ما يكتبه المثقفون والصحفيون، وزجها للتدخل بالانتخابات في كافة المستويات بما فيها انتخابات جمعية خيرية في قرية نائية. تطوير الأداء المهني للأجهزة الأمنية الأردنية له عنوان مركزي وهو: تعزيز استقلال الضمير المهني لهذه الأجهزة، وحمايتها من محاولات توريطها بخدمة أولويات سياسية منحرفة، ومنع اختراقها واستزلام بعضها، وتفكيك وحدتها المهنية من قبل مراكز النفوذ ودوائر المصالح المختلفة. والتحدي أمام الشعب الأردني هو: حماية الحياد السياسي للأجهزة الأمنية، وتعزيز استقلال ضميرها المهني، حتى تستطيع هذه الأجهزة التفرغ لمهمتها المركزية وهي حماية الشعب الأردني.
2- تعدد أبعاد ظاهرة التطرف والإرهاب، وتداخلها العضوي مع التحولات التقنية المعاصرة، يتطلب وسائل عدة لاحتواء هذه الظاهرة والتخلص من مخاطرها. فالاستراتيجيات الوطنية التي تعتمد وسيلة واحدة للتعامل مع المخاطر المركبة مضمونة الفشل. البعد الاستخباري والشرطي للتعاطي مع التطرف، ومنع المتطرفين من تنفيذ أعمالهم الإرهابية، على أهميته، يبقى وسيلة من عدة وسائل وأدوات الاستراتيجية الوطنية التي يجب تطويرها للتعاطي مع الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية لظاهرة التطرف. جريمة حمود يجب اعتبارها جرس انذار، للقيام بمهمة واضحة: تطوير منظور جديد، يستعيد كل ساحات ومنصات العمل الفكري والثقافي الشعبي من طنين العزف المنفرد والمقرف لفرق السحيجة. صحيح أن هناك اخفاق فكري وثقافي، ولكن الحل ليس بتجريم أي مكون من مكونات ثقافتنا الوطنية والشعبية. صحيح أن هناك خلل يمكن رصده في أداء المدارس ودور العبادة، ولكن العنوان الكبير لإصلاح الخلل هو استرداد هذه المنصات لتصبح جزءاً من فضاء الحوار الوطني العام، وليس التخلي عنها لفئة مرتبكة لتديرها بمعزل عن بقية مكونات شعبنا. يجب أن تعود المدرسة لدورها من حيث هي حاضنة للنشاط الفكري والثقافي والفني والرياضي المحلي، وليس مجرد ماكينة تلقين ثبت فشلها، تفتح الساعة 8 صباحاً بنشيد غبي يغيب المدرسة عن تطوير فكرة الوطن لدى الأجيال، ثم تغلق بالجنازير بعد الساعة الواحدة ظهراً. اغلاق المدرسة والمسجد والكنيسة، يترك الفرصة للفكر المنحرف ليسيطر على شبابنا الباحثين عن إجابات لأسئلتهم المقلقة. وبدلاً من ان يكون أبنائنا رصيداً لمستقبلنا، يتحولون إلى مصدر تهديد. فنخسر مرتين: مرة حين خسرنا أبناءنا الذين اهملناهم، وتخلينا عن واجبنا بتامين فضاء صحي لنموهم الفكري والروحي، والثانية حين يقوم هؤلاء بضرب اخوة لهم.
3- تناول البعد الاقتصادي في تشكيل ظاهرة التطرف، يتطلب ما هو أكثر من التنبيه له وإبراز الترابط التاريخي بين الازمات الاقتصادية وانتشار ظاهرة الانحراف والتطرف. فالأزمات الاقتصادية تولد احتدام اجتماعي مدني فكري، للبحث عن حلول. الملاحظ في الأردن هو تزامن تغييب الاحتدام المدني حول المعضلات الاقتصادية، وارتباط هذا الغياب ببروز احتدام جديد هو الجريمة المنظمة والتطرف الذي يتقدم ليملأ الفراغ. ليس مطلوباً ان نحل الازمة الاقتصادية الآن، برشاوى تافهة مثل زيادة خمسة دنانير على الرواتب، فالأزمة الاقتصادية لا تحل بإجراء واحد. ولكن المطلوب تحرير المسألة الاقتصادية في الأردن من الهلوسة الاقتصادية التي تأخذ الأردن نحو الهاوية منذ ربع القرن، وليس هناك من يناقشها ويكشف الخبل والخلل في ما يسميه المستبد الفاسد بانها “رؤيته للتطوير والتحديث الاقتصادي” والتي حصادها ارتفاع البطالة إلى ما يقارب ثلاثين في المئة. فكما أنه من الضروري حماية الضمير المهني المستقل للأجهزة الأمنية والتعليمية والدينية، من هرطقات المستبد الفاسد وعائلته، لا بد من حماية الضمير المهني المستقل للمؤسسات الاقتصادية، من تغول المستبد الفاسد وعائلته وحواشيهم. فكما نثق بضباط الاجهزة الأمنية والعسكرية، ونمنحهم الغطاء السياسي ليقوموا بدورهم المهني بحماية الشعب الأردني، وكما نثق بمعلمينا ورجال الدين المسيحيين والمسلمين، نثق أيضاً بأبنائنا الذين يديرون المؤسسات الاقتصادية والنقدية والمالية، ولا بد من حمايتهم السياسية ليقوموا بدورهم الاقتصادي المطلوب. لا بد من إنهاء التواطؤ مع الخبل والخزعبلات الاقتصادية، ليقال بصوت عال وواضح: ارفع إديك عن الاقتصاد الوطني. رؤيتك فيها خبل، امنحوا المؤسسات الاقتصادية والمالية والنقدية فرصة لتقدم ما لديها. فهناك رؤى وتصورات عظيمة لا ترى النور، بسبب إصرار المستبد الفاسد على تصورات ثبت أنها خزعبلات وخبل، ولا ترتقي لأن تكون حديثاً وازناً في سياسات التطوير والتحديث الاقتصادي.
أخيراً:
إن ضمان عدم تكرار الجريمة يتطلب أن لا يبقى الأردن حيث كان يوم الخميس الذي سبق الجمعة السوداء. وعلينا ان ندرك بوضوح بأن التقدم، ليس مهمة جزئية لبعضنا، ينفذها نيابة عن الآخرين، بل مهمة شاملة تتطلب تفعيل الطاقات الوطنية الأمنية والعسكرية والسياسية والتعليمية والثقافية والاقتصادية كافة، لمواجهة خطر محدق وهو تنامي التطرف والإرهاب، وتحوله إلى سرطان يفكك نسيجنا الوطني ويدفعه للهلاك. العلاج، ومنع تكرار الجريمة، ما زال ممكناً، ولكن شريطة تجنب فخاخ شل الوعي العام، وشريطة الإصرار على تفعيل الطاقات الوطنية لتطوير الخيارات الصحيحة. علم الإحصاء يؤكد بان المتطرفين مكون موضوعي من ديناميكا أي مجتمع، المطلوب هو تطوير ما يمكننا من ضبط التطرف، واحتوائه، ومنعه من التحول إلى تهديد ينسف حاضرنا ومستقبلنا. وعلم الإحصاء يؤكد على أن احتواء التطرف وتذويبه، ممكناً من خلال ديناميكا جماعية لإنتاج الخيارات الوطنية، وليس من خلال احتكار مجموعة من “المخبلين” للحوار الوطني و”تبليعنا” اكثر من طُعم لتمرير خزعبلاتهم علينا
2026-11-01