الزيدي في دمشق.. عندما تتكلم الجغرافيا!
نداء حرب
تمثل زيارة الزيدي لسوريا خطوة هامة نحو إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، حاملة معها إمكانات كبيرة لتعزيز التعاون وبناء شراكات استراتيجية، ومع ذلك، فإن الطريق إلى تحقيق رؤية مستقبلية واعدة ليس مفروشًا بالورود، بل يتطلب تجاوز العديد من التحديات المعقدة.
.
وهي بمثابة تأكيد على أهمية التعاون الإقليمي في ظل التحديات المشتركة التي تواجه المنطقة، وساهمت في بناء جسور الثقة والتفاهم، وهي ركيزة أساسية لأي علاقة ناجحة، خاصة بعد فترات من التوتر أو الابتعاد
لاتقاس الزيارات السياسية بعدد الصور التي تُلتقط لها، بل بعدد الأسئلة التي تتركها خلفها، وزيارة الزيدي الأخيرة إلى سوريا تركت أسئلة كثيرة، لأنها جاءت في توقيت ليس عادياً، إلى عاصمة ليست عادية.
منذ سنوات، ودمشق تقف في قلب معادلة مستحيلة: بلد مدمر يحتاج العالم، وعالم يحتاج استقرار هذا البلد ولا يريد أن يدفع ثمنه، وفي هذه الفجوة بين الحاجة والرغبة، كانت تُصنع سياسات المنطقة كلها، كل تقارب مع دمشق كان يُقرأ كخيانة لمبدأ، وكل قطيعة معها كانت تُقرأ كعجز عن الفهم.
ما فعله الزيدي أنه كسر هذه الثنائية العقيمة.
هذه الزيارة ليست انحيازاً لمحور ضد محور، كما سيحاول البعض تصويرها، وليست أيضاً عملية تطبيع مجانية. هي اعتراف بسيط ومرير بأن الخريطة لا يمكن أن تبقى معلقة على الحائط بينما الأرض تحترق، سوريا موجودة، بحدودها، بجيشها، بمؤسساتها المنهكة، بشعبها الذي دفع الثمن الأكبر، والتعامل معها كفراغ هو وهم استراتيجي كلف المنطقة عشر سنوات من الفوضى.
الرسالة الأهم في الزيارة ليست موجهة إلى دمشق ، بل إلى العواصم الأخرى.
رسالتها تقول: إن الاستقرار لا يُستورد من الخارج، وإن إعادة الإعمار ليست ملفاً إنسانياً، بل هي ملف أمني بامتياز، كل مصنع لا يُفتح في حلب، سيُفتح مقابله معسكر تطرف في مكان آخر، كل طريق تجارة لا يُعبد بين دمشق وجيرانها، سيتحول إلى طريق تهريب وسلاح، هذا هو الدرس الذي تعلمته أوروبا من البلقان، والذي يبدو أن منطقتنا تصر على نسيانه.
بالطبع، هناك عقبات، وعقوبات دولية تجعل أي مستثمر يحسب ألف حساب قبل أن يضع دولاراً واحداً في سوريا، وهناك وضع داخلي سوري لا يزال هشاً ومعقداً، وهناك قوى إقليمية ودولية لا تريد لسوريا أن تخرج من غرفة الإنعاش قبل أن تضمن حصتها من المستقبل.
لكن التاريخ لا ينتظر اكتمال الشروط المثالية، لو انتظر الأوروبيون زوال كل العقبات قبل أن يبنوا اتحادهم، لما بنوه حتى اليوم.
الرهان الحقيقي بعد زيارة الزيدي ليس على ما ستفعله دمشق وحدها، بل على ما إذا كان هذا التقارب سيتحول من مجاملة دبلوماسية إلى مشروع.
المشروع يعني لجنة اقتصادية مشتركة تجتمع كل شهر، لا كل سنة، يعني اتفاقية لتسهيل التجارة، لا بيان نوايا، يعني ربط كهربائي، وخط سكة حديد، وتسهيل تأشيرات للطلاب ورجال الأعمال.
بدون ذلك، ستتحول الزيارة إلى صورة أخرى في الأرشيف، وسيعود الجميع إلى لعبة الانتظار القاتلة.
دمشق اليوم لا تحتاج إلى من يزورها ليلتقط صورة، تحتاج إلى من يزورها ليبقى، والفرق بين الزيارة والإقامة، هو الفرق بين الحدث والتاريخ.
وأخيراً فإن إن نجاح هذه الزيارة وتداعياتها المستقبلية سيعتمد بشكل أساسي على الإرادة السياسية، والقدرة على بناء الثقة، والالتزام بالعمل المشترك لمعالجة القضايا الملحة وتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة في سوريا والمنطقة بأسرها،من إنها دعوة مفتوحة لجميع الأطراف المعنية للانخراط في حوار بناء، ووضع خطط عمل طموحة، والمضي قدمًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا وتعاونًا

2026-10-31