الوطن أولًا: حين تكون العقيدة ضميرًا لا بديلًا عن الانتماء!
بقلم البروفيسور وليد الحيالي
تبدأ العلاقة بين الوطن والعقيدة بسؤال يتجاوز حدود المفاضلة العاطفية: هل يجوز التفريط بالوطن من أجل معتقد ديني أو مذهبي أو أيديولوجي؟ إن الإجابة تقتضي التمييز بين حق الإنسان في الإيمان بما يراه صحيحًا، وحقه المزعوم في إخضاع مصير المجتمع كله لذلك الإيمان. فحرية العقيدة حق أصيل، لكنها لا تمنح صاحبها تفويضًا بالتنازل عن سيادة وطنه، أو تهديد وحدته، أو تعريض حياة مواطنيه للخطر. ومن هنا تنطلق فكرة «الوطن أولًا»: أولوية المسؤولية المشتركة التي تحفظ للجميع حق الوجود والاختلاف.
الوطن: أكثر من أرض وحدود
الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، ولا سلطة سياسية تتغير بتغير الحكومات. إنه المجال الذي تتشكل فيه حياة الناس: بيوتهم، وذاكرتهم، وعلاقاتهم، وأعمالهم، وآمال أبنائهم. وهو، في معناه المدني، رابطة حقوق وواجبات بين مواطنين متساوين، مهما اختلفت أصولهم ومعتقداتهم.
لهذا لا يجوز اختزال الوطن في حاكم، كما لا يجوز احتكاره باسم جماعة. فالحكومة قد تخطئ، والنظام قد يظلم، والمؤسسات قد تحتاج إلى إصلاح جذري، لكن الاعتراض على السلطة لا يبرر هدم المجتمع أو تسليم قراره إلى الخارج. إن الدفاع عن الوطن يشمل الدفاع عن حق مواطنيه في محاسبة حكامه وتغيير واقعه بالوسائل التي تصون حياتهم وحقوقهم.
العقيدة: معنى روحي وحدود سياسية
العقيدة، دينية كانت أم فكرية، تمنح الإنسان تصورًا عن الحقيقة والغاية والقيم. وقد تكون مصدرًا للرحمة والعدل والتكافل، ودافعًا لمقاومة الظلم وخدمة الآخرين. لذلك فإن تقديم الوطن في المجال العام لا يعني إلغاء العقيدة، ولا الانتقاص من مكانتها في ضمير الفرد.
تظهر المشكلة حين تتحول العقيدة من قناعة يلتزم بها الإنسان إلى سلطة يريد فرضها على غيره، أو حين تدّعي جماعة أن تفسيرها الخاص للحقيقة يعلو على حقوق المواطنين جميعًا. عندئذ يصبح المختلف خصمًا في الانتماء، ويغدو الوطن مشروطًا بالطاعة المذهبية أو الأيديولوجية.
ولا تستقيم المواطنة إذا كان حق الإنسان في وطنه متوقفًا على موافقة الآخرين على معتقده. فالوطن يتسع لتعدد العقائد، أما تحويل عقيدة واحدة إلى معيار حصري للانتماء فيجعل بعض أبناء الوطن غرباء داخله.
لماذا تكون الأولوية للوطن؟
تنبع أولوية الوطن من كونه الإطار المشترك الذي يتحمل الجميع نتائج بقائه أو انهياره. فقرار الفرد في معتقده يخص ضميره، لكن التفريط بالأرض والسيادة والأمن يمس حياة ملايين البشر، بمن فيهم من لا يشاركونه ذلك المعتقد. وليس من العدل أن تُحمَّل جماعة وطنية كاملة ثمن اختيار لم تتخذه.
ثم إن صيانة الوطن ومؤسساته العادلة توفر الحماية العملية لحرية الاعتقاد. فحين يسود القانون، يستطيع الناس ممارسة شعائرهم، والتعبير عن أفكارهم، والاختلاف دون خوف. أما حين تتفكك الدولة وتتعدد سلطات الإكراه، فإن حرية الإيمان نفسها تصبح خاضعة لموازين القوة.
بهذا المعنى، لا تُصان العقيدة بالتضحية بالوطن، بل يُصان حق الاعتقاد بصيانة وطن يحمي الجميع.
حين يتجاوز الانتماء حدود الوطن
قد تربط العقيدة الإنسان بأشخاص يعيشون خارج بلده، وهذا أمر مفهوم، كما أن التضامن مع المظلومين قيمة إنسانية. غير أن التضامن لا يساوي نقل الولاء السياسي إلى دولة أجنبية، ولا يمنح مبررًا لاستدعاء تدخل يهدد استقلال الوطن.
فالاشتراك في الدين أو المذهب لا يجعل مصالح الدول متطابقة، ولا يجعل قرارات القوى الخارجية تعبيرًا نزيهًا عن العقيدة. ويجب أن يُقاس أي مشروع يُرفع باسم الإيمان بنتائجه على الناس: هل يحفظ كرامتهم وحريتهم وأمنهم، أم يجعلهم أدوات في صراع لا يملكون قراره؟
أولوية الوطن مسؤولية متبادلة
حتى تكون عبارة «الوطن أولًا» ذات معنى، يجب أن تقترن بالعدالة والمساواة. فلا يصح مطالبة المواطن بالولاء بينما تُنتهك كرامته أو يُقصى بسبب معتقده. والوطنية التي تستحق الدفاع عنها تمنح الجميع مكانًا متساويًا، وتفتح باب المشاركة والمحاسبة، وتحمي حرية الضمير.
كما أن أولوية الوطن لا تجعل الدولة معصومة، ولا تفرض طاعة عمياء للسلطة. إنها تقتضي إصلاح الدولة حين تنحرف، لأن الظلم يضعف رابطة الانتماء، بينما تجعل العدالة حماية الوطن مصلحة محسوسة لكل مواطن.
إن الوطن أمانة مشتركة لا تملك جماعة التصرف بها منفردة. وللإنسان أن يحمل عقيدته بحرية، وأن يدعو إليها بالحجة والقدوة، لكن ليس له أن يجعل بقاء وطنه وسيادته ثمنًا لفرضها. فالوطن أولًا في المسؤولية العامة، لأنه البيت الذي تتعايش فيه العقائد، وتُصان داخله كرامة أصحابها، ويظل حفظه واجبًا لا يسقط باختلاف الإيمان.
2026-10-31