العناب….!
علي رهيف الربيعي
وصف الشاعر العربي صاحبته وهي تعض اصابعها جزعا أو ندما بقوله ” وعضت على العناب بالبرد” واعتقد ان عددا غير قليل من شبابنا لا يستطيعون تذوق هذه العبارة ويسألون ابتداء ” ما العناب وما البرد؟” ولست ألومهم إطلاقا على تساؤلهم. فتلك ألفاظ هجرها معظم العرب المعاصرين وبالذات في لغة الشعر وبالطبع في لغة الإعلام والبرد كرات صغيرة متفاوتة الحجم من الماء المتجمد و تتلف الزرع. وهي التي تسقط في أجزاء. من العراق في بعض ايام الشتاء ويسميها الناس تجاوزا ” حالوب” اما العناب فهو فاكهة حلوة من الفصيلة النبقية صغيرة الحجم والنواة ذات لون احمر وردي. والشاعر يعني بالعناب أظافر أنامل صاحبته حيث استحسن الناس من قديم ان يكون لونها مشوبا بحمرة واستعانت الناس عبر التاريخ بوسائل مختلفة لإضفاء اللون على الأظافر ثم ظهر الطلاء الحديث المركب كيميائيا وهو يعنى بالبرد أسنانها الرقيقة المنتظمة ناصعة البياض .
وليس سبب هذا الحديث الخوض في أمور اللغة أو قضايا الشعر. وإنما تذكرته بمناسبة زيارتي الأخيرة إلى كربلاء حيث سكنت عند اخي ابو سامر في حي النقيب، وكان حي النقيب في الستينات من القرن العشرين فيه كل انواع هذه النباتات الكثيرة وكان العناب على ضفاف نهر الحسينية في منطقة البوري الأحمر.
بل ان اختفاء تلك الأنواع كثيرا ما يخل إخلالا خطير بالتوازنات البيئية ويؤدي مثلا إلى فناء انواع أضافية كانت تعيش عليها او تتبادل معها المنافع ومن ناحية أخرى معروف ” أن المادة تفنى ولا تستحدث” وكل ما نسمع عن الهندسة الوراثية لا يخلق شيئا من العدم. وإنما يقوم على نقل بعض الموروثات أو ” الجينات” ذات خصائص معينة من نبات إلى نبات آخر لتزيد غلته أو تقوي مقاومته للآفات. ومن ثم اتفق الرأي على أن ” مخزون الأرض” من الموروثات ثروة عظمى وكل إبادة لنبات افقار تلك الثروة.
وللقارئ ان يسأل ومالنا في العراق وهذا الأمر الذي يبدو هاما لدى الناس في الدول الصناعية؟ واورد بأننا في العراق فقدنا كثيرا من النباتات التي عاشت مئات أو آلاف السنين في بيئتنا وهذا افقار لنا. والعناب مثل بارز في هذا الشأن عرفناه في شبابنا في جنائن بيوتنا في كربلاء. بل ان النبق نفسه لم نعد و نرى له وجودا كذلك اختفى السفرجل والرارنج. أما شجرة النخلة التي كانت رمزا للعراق القديم فإنها و في سبيل الانقراض حيث لا يزرعها احد الآن. وقد تنفع الذكرى بلدية كربلاء.
2026 /10 /30