قراءة في كتاب خلدون حسن النقيب، المجتمع في الخليج والجزيرة العربية!
علي رهيف الربيعي
وقدم خلدون النقيب في كتابه المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، من منظور بنيوي اجتماعي، اطروحة تقوم على ثلاث مقولات اساسية : أولا، ساد في الجزيرة العربية والخليج نمط الإنتاج المركنتيلي العربي حتى الربع الأول من القرن السابع عشر، وتمثل باقتصاد الحالة الطبيعية المقرون بالقبيلة السياسية والتداول النخبوي للسلطة، هذه الحالة التي اخذت بالانحسار تدريجيا تحت ضغط الإمبريالية الغربية المتزايد. وقد اكتمل استيعاب المنطقة في نظام العالم الاقتصادي الرأسمالي، فتحولت إلى منطقة هامشية تخص بتجارة اللؤلؤ والقهوة واللبان والجلود والخيول والحج والتهريب، وتمت تجزئة بلدان الخليج كما تجلت في عملية ترسيم الحدود في مؤتمر العقير لعام ١٩٢٢ ، مما مهد للهيمنة والدخول في عصر الدولة التسلطية التابعة.
ثانيا ، مهد قيام الدولة الريعية ( التي يكون فيها النظام الاقتصادي قائما على مصدر الدخل الوطني من الريع الخارجي، وما يلعبه هذا الريع من دور كبير في الإنفاق الحكومي)، منذ اكتشاف النفط حتى منتصف الستينات، نحو عصر الدولة التسلطية التي تقوم على نظام سياسي استبدادي.
ثالثا ، منع مثل هذا الوضع الاقتصادي والسياسي و قيام التنمية الشاملة وأوصل مجتمعات الجزيرة والخليج إلى طريق مسدود (1).
إن العنصر المشترك في هذه النظريات هو إعادة سلطة الدولة إلى جذورها في الواقع الاجتماعي. وقد ركز خلدون النقيب على الأصول الاجتماعية للدولة التسلطية في المشرق العربي ، فوجد ان لزاما عليه ان يبدأ بمصطلح القوة الاجتماعية كمصطلح مركزي لكل العلوم السياسية ، وقد استعمل هذا المفهوم للدلالة على القدرة على تحوير السلوك وتعديله لتحقيق نتائج مقصودة . وللقوة الاجتماعية بحسب خلدون النقيب مصاحباتها كالنفوذ والجاه والامتياز، وتشمل بين مصادرها قوة التنظيم الاجتماعي التي تتمثل في حالتها المتطورة بالبيرقراطية المركزية للحكومات الحديثة والأحزاب السياسية، والقوة المستمدة من الكثرة العددية كما في نقابات العمال والحركات الاجتماعية، والقوة المستمدة من ملكية الموارد المادية كما في امتلاك الأراضي والثروة ورأس المال. والمهم في تنظيره هذا ان علاقات القوة على صعيد السلطة السياسية تتمثل بعلاقة الحاكم بالمحكوم، ولذلك تكون الدولة احد تجسيدات السلطة في المجتمع (2).
ويرى النقيب ان الحكم يكون ديمقراطياً حين يحكم الشعب نفسه بنفسه من خلال اختيار ممثليه بالانتخابات المباشرة، وتكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم مقيدة بدستور ، وفي ما عدا ذلك يكون استبداديا، فتتخذ علاقة الحاكم بالمحكوم أشكالا مختلفة، منها الحكم الأوتوقراطي أو الفردي ، وهو نظام حكم ليس لسلطة الحاكم فيه حدود وقيود. وحين يكون قول الحاكم وفعله بمثابة القانون فهو نظام استبدادي. وقد يكون الحكم الاستبدادي مبنيا على سيادة الدولة البيرقراطية على المجتمع المدني بكامله ، فتجعله امتدادا لسلطتها باحتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع، وتهيمن على مختلف مستويات التنظيم الاجتماعي ومختلف الجماعات والقوى الاجتماعية، وهذا ما يقصده النقيب بالحكم التسلطي (3).
وقد يبدو مما تقدم وكأن البحث في علاقة الدولة بالمجتمع من منظور علمي اجتماعي تيار جديد كليا في الثقافة العربية.
خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية ( من منظور مختلف)، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي . محور المجتمع والدولة ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٧).
(1) خلدون حسن النقيب، المجتمع والدولة في الخليج العربي.
(2) خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر : دراسة بنائية مقارنة ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩١) ص١٨ – ١٩.
(3) المصدر نفسه، ص٢١ – ٢٣.
2026 /10 /03