من مضيق هرمز الى باب المندب!
عبد الخالق الفلاح
من المعلوم ان اليمن يمثل نقطة ارتكاز للتجارة العالمية والتفاعل الحضاري، وحلقة الوصل بين شرق العالم وغربه تجارياً، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي على طرق الملاحة البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر. منذ العصور القديمة، استفاد اليمنيون تاريخياً في نسج علاقات أفقية مع شعوب شرق إفريقيا وشرق آسيا، حيث تبادلوا المنافع وتركوا بصمات عميقة في تلك المجتمعات. ، وخلّفت إرثًا من العلاقات التاريخية بينهما. ويحاول اليوم اليمن استعادة لدوره التاريخي واستثمار موقعه الجغرافي الفريد في إعادة بناء علاقاته الدولية. يشكل اليمن حلقة وصل مهمة بين الشرق والغرب بفضل موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وامتداده في شبه الجزيرة العربية. في هذا السياق، يمكن لليمن أن يستفيد بشكل كبير من علاقاته التاريخية مع عدد من الدول في شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، مثل كينيا وإثيوبيا وتنزانيا وإندونيسيا وماليزيا. تلك الدول لم تكن فقط شريكة لليمن في الماضي، وتحاول ان تكون قوة اقتصادية صاعدة وجيوسياسية مؤثرة في العالم. وهذا الذي لاتريده ان تكون دول الشر وتحاول ان تكسر هيبة هذا البلد في حروب مفتعلة كما نشهده هذه الأيام من انتصارات مذهلة تحققها.
وللحقيقة فقد وضعت الحرب الراهنة بأمن المضايق موضع الاختبار؛ إذ يشكِّل مضيقا هرمز وباب المندب عقدتي اختناق في بنية الاقتصاد العالمي، وأي توتر فيهما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية وعلى استقرار النظام الاقتصادي العالمي والصراع في اليمن ليفرض تبعات إقليمية ودولية. ويعد استهداف منشآت الطاقة السعودية أول مظاهر هذا الامتداد، مما يجعل الحرب في اليمن مرتبطة بصورة مباشرة بأمن إمدادات النفط واستقرار الأسواق العالمية وليس بالأمن الحدودي للمملكة فقط .
وهذا لم تريدها دول المنطقة إنما شرارات دول الاستكبار العالمي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وتحريك الدولة اللقيطة اسرائيل بقيادة نتنياهو الذي ضحك على ذقن هذا المجنون وجعل من ترامب مهزلة لا بل دمية بيد الاعلام.
واليوم تتوارد الأنباء عن الانتصار الكبيرة التي تتحقق في جبهات القتال في اليمن وهذا ما يفرح كل انسان شريف،ثمة شيء غير عادي يحدث الآن في اليمن ،فالانتصار الحقيقي في اعتقادي لا يُقاس فقط بعدد المواقع التي تتغير السيطرة عليها، وإنما بما يفتحه ذلك من أفق أمام الإنسان الذي أنهكته الحرب أرهقته فكرة العيش الدائم تحت الخوف.
مضيق هرمز و باب المندب تعدان من حلقات الوصل الاستراتيجية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر وقناة السويس . وتمرّ من خلالهما معظم صادرات النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي، التي تعبر قناة السويس أو خط أنابيب سوميد، عبر كلٍّ من باب المندب ومضيق هرمز. منذ يوم السبت الماضي 5/9/2026 اتسعت رقعة الصراع والحملات المتبادلة بين رجال أنصار الله والجماعة الموالية لدول خليجية بالأساس تتصارع فيما بينها للسيطرة على مناف هذا البلد من ثروات ومحاصرة الموانئ اليمني التي تسيطر على بعض المناطق لتشمل المجالات البحرية المهمة بوصفها عناصر حاسمة في معادلة المواجهة.
ولكن بقتال شديد استكملتْ القواتُ المسلحةُ اليمنية التابعة لصنعاء السيطرةَ على باب المندب عَقِبَ تحريرِها لمديريةِ ذوباب المطلةِ على مضيقِ بابِ المندب وكذلك جزيرةِ ميون ، ونقلتْ مصادرُ مواليةٌ للسعودية أنّ قواتِ حكومةِ عدن انسحبتْ من جزيرةِ بريم، فيما تحاصرُ القواتُ المسلحةُ اليمنية التابعة لصنعاء ” الحوثيون” الالاف من عناصر في جزيرتيْ حنيش الكبرى والصغرى، وسْطَ مطالباتٍ لهم بالاستسلام. وفي المقابل، شنتْ الدول التي تساند هذه العصابات الموالية لها بغاراتٍ جويةً على مطارِ المخا،و تعودُ الحياةُ تدريجياً إلى مدينتيْ حيس الخوخة جنوبيَ محافظةِ الحديدة، بالتزامن مع انسحابِ القواتِ المدعومة في عدن من مواقعِها وتسليمِ مِساحاتٍ واسعة دونَ مواجهات. وبين فرحةِ الأهالي بالعودة وتحدياتِ الأوضاعِ المعيشية، تَبرُزُ رسائلُ ميدانيةٌ جديدة تتجهُ نحوَ بابِ المندب بعدَ إعلانِ القواتِ اليمنية السيطرةَ على المدينةِ الساحلية. وكانتْ القواتُ المسلحةُ اليمنية قد أعلنتْ سابقاً السيطرةَ على المخا، والتقدمَ باتجاهِ مناطقَ محاذيةٍ لبابِ المندب، بالتزامنِ مع السيطرةِ على الخوخة وحيس جنوبَ الحديدة، والوازعية في محافظةِ تعز والتي تشير الانباء عن الانتهاء من تحريرها بعد الهزائم التي منيت بالجيوب الموالية لدول العدو.
الأحداث في عالم السياسة لا تصنعها الصدفة، وتزامنها أحيانًا يكون أهم من الحدث نفسه. وبين هرمز وباب المندب وجبل طارق، تبدو خريطة الطاقة العالمية وكأنها تُعاد رسمها من جديد؛ بينما أسعار النفط على شاشات التداول الأمريكية لا تقرأ فقط حركة الأسواق، بل تكشف شيئًا أكبر
باحث واعلامي
2026-09-12