((غربةُ الأصلِ في دارِ الوَصيّ))!
حسن جمال الدين
عاتيةٌ هي جنايةُ الجهلِ، حين تصدرُ عن سدنةِ التراث، وأشدُّ منها مضاضةً تعمُّدُ التهميشِ لقممٍ شيَّدتْ صروحَ التحقيقِ في أسانيدِ “نهج البلاغةِ” العلوية.
في زحامِ معرضِ بغدادَ للكتاب، أطلّتِ العتبةُ العلويةُ بمنشورٍ يستعرضُ مصادرَ “نهجِ البلاغة” وتحقيقاتهِ، في خطوةٍ كان يُرجى منها إعلاءُ صروحِ التحقيق والمصدر، غيرَ أنَّ المفارقةَ الموجعةَ تجلّت في حشدِ المُصنّفاتِ الهزيلةِ وطمسِ أعظمِ مدونةٍ توثيقيةٍ عرفها العصرُ الحديث، وهي موسوعةُ “مصادر نهجِ البلاغةِ وأسانيده” للسيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب.
ولا يدري العاقلُ والعقلُ الممحصُ أهو إقصاءٌ مع سبقِ الإصرار، أم غشاوةٌ أصابت جيلاً طارئاً يجهلُ أطوادَ العلمِ الشوامخ ؟
كيف لمؤسسةٍ تحملُ اسمَ العتبةِ العلويةِ المطهرةِ أن تتجاوزَ سِفْراً وُلِدَ عامَ ستةٍ وستينَ وتسعمائةٍ وألف، ليصيرَ قِبلةَ الباحثينَ وحجةَ المنصفين ؟!
إنَّ هذا التجاهلَ المُعيب يطعنُ في صميمِ الأمانةِ العلميةِ التي أقرَّ بوزنها كبارُ مفكري الأمة،
فهذا الشيخ “محمد مهدي شمس الدين” يتوّجُ العملَ بوصفهِ أوفى وأشملَ دراسةٍ توثيقيةٍ التزمتْ صرامةَ النقدِ الخارجي،
بينما يرى فيهِ الدكتور “حامد حفني داود” قرباناً علمياً يُحِقُّ الحقَّ بحسنِ تبويبهِ وشمولِ إحصائه،
ولم تبتعدْ بصيرةُ العلامة “مصطفى جواد” حين عدَّهُ من أندرِ الأعمالِ التحقيقيةِ وأجلِّها في زمنِ الجدب،
ليتوّجَ العلاّمةُ الشاعرُ “مصطفى جمال الدين” هذا الخلودَ بسبكٍ كاشف، جاعلاً السيدَ الحسينيَّ ثالثَ ثلاثةٍ عاشوا على بلاغةُ الإمام عليّ ع، رفيقاً للشريفِ الرضيِّ جمعاً ولابنِ أبي الحديدِ شرحاً والسيد عبد الزهراء إثباتاً للمصادر.
ولئن كان صدورُ هذا البخسِ عن جهةٍ نكرةٍ أمراً يُحتمل، فإنَّ انبعاثهُ من أروقةِ العتبةِ العلويةِ يجعلهُ رزيةً قاصمة، وسُبةً في جبينِ جهةٍ كان حرياً بها أن تكونَ الحارسَ اليقظَ لجهودِ من أفنوا أعمارهم في صيانةِ تراثِ أميرِ المؤمنين، لا أن تمارسَ قطيعةً معرفيةً تذبحُ الحقيقةَ على مذبحِ النُكرانِ والإهمال.
2026-09-11