(( ثنائية الدم والخيانة: لماذا الجيشُ وليسَ الحشد وكلاهما حُماة الوطن …؟! ))
حسن جمال الدين
تلكُم هيَ مفارقةُ البندقية.. حينَ تصونها العقيدة أوتُدنسها العمالة، في وطنٍ تنهشهُ ذئابُ السياسةِ وحرابُ المحتل، وأقربُ الأمثلة في ذلك، سقوطُ الموصل وتحريرها، وعقدة جرف النّصر الآن.
لا يُمحى طعمُ الفجيعةِ المرُّ بمزايداتِ الوطنيةِ الزائفة، تلكُم حيلةٌ سمجة “مِجّة”، فحقيقةُ سقوطِ ثلثِ الرافدينِ بقبضةِ ثلاثمائةِ شاذٍ من شُذّاذِ الأرض لا أكثر، وتسليمهم الجغرافيا والعتادِ والمال، لهوَ جرحٌ غائرٌ لا تقفزهُ الشعارات المزاودة ولا الحيلُ المفضوحة،
وفي غمرةِ اللغطِ الدائرِ بينَ أنَّ الجيشِ أم الحشد والفصائل، تدمغُ الحقيقةُ فيهِ ألكَنَ النّبض وخائنَ الحيلة، فالحقيقةُ ساطعةً، لأنَّ كلاهما درعٌ للوطن، وكلاهما ينبضانِ بغيرةِ المقاتلِ العراقيِّ الذي لا يُشقُّ لهُ غبار،
غيرَ أنَّ المفارقةَ تكمنُ في الرأسِ لا في الجسد، فقد تهاوت قطعاتُ الجيشِ المدججةُ في الموصل، لا لجُبنٍ في جنودها الأسُود، بل لأنَّ أعناقَ قياداتها من رُتبٍ مرتهنةٌ لمقصلةِ المُحتلِ الأميريكي ورأسها في الحضن العربي أو التركي، والقلبُ يهوديُ الهوى، في شبهِ سيركٍ بهلوانيٍ رخيص يرادُ لهُ أن يُسمّى زوراً دولة ..!!
تلك حقيقة مُرّة، لكنها وللأسف حقيقة لا يغطيها غربال أو تسترها ورقةُ توتٍ “وطنيّة” ذابلة،
ذلك القرارُ الصهيو-أميريكي أو الحضنو-عربي الذي ينصِّبُ الرُتبَ والقادة بمقدارِ الولاءِ والتبعيةِ لا بحجمِ الانتماءِ لترابِ الوطن، لتغدو القياداتُ أجيرةً تُسلمُ المدائنَ بلا قتال،
وعلى النقيضِ من ذلك، نهضَ الحشدُ بفصائلهِ عقيدةً لا وظيفة، واندفعَ شامخاً لم يُفرط بشبرٍ أو رصاصة، لأنَّ قرارهُ لم يكن مسلوباً في أروقةِ السفارات، أو في يدِ أصلع أجعد معروقِ الوجهِ ذميمْ، كتاجر حركات الإرهاب ومستثمرِ أوراق الفساد السوداء ورؤساء الوزراء في سوق نخاسة الرجال #توم_براك،
بل استمدَّ بوصلتهُ من قدسيةِ الفتوى، وعِرضِ الأرض، وغيرةِ الدّماءِ التي اشتُريت بها السيادةُ بأشلاءٍ ممزقةٍ وآلافِ الشّهداء، فكانَ النصرُ حليفَ مَن تحرّرَ مِن قيودِ الهوانِ الأميريكية التي لا تبتغي سوى جيشٍ، رغم بطولةِ الجُندِ فيهِ، لكنهُ مخصيّ القيادة، تقوده دمىً تُحدد قرارها “تغريدة” وتعيّنُ لها قيادتها، أو تُسقطها تشرينُ مفتعلةٌ قذرة، وتخنى عليها وثائقُ نهبٍ أسود، كما هو حالُ قياداتِ الزيفِ في الإطارِ التنسيقيِّ الذين باعوا الكرامةَ في سوقِ تسويات النَّهب والساومات،
وإذا ما استشرى داءٌ كهذا في جسدِ الأمة، فلا مناصَ من حُمّى الألم، وحينَ يَعزُّ الترياق، يصبحُ الكيُّ والبترُ سُنةَ التكوينِ التي لا تُحابي أحداً، فالداءُ العضالُ يكمنُ في قادةِ المكونِ الأكبر، من الحَنانةِ إلى الجادريةِ فالخضراء، إخوةٌ أعداء افترسوا الوطنَ حتى أحالوهُ عصفاً مأكولاً، ثم التفتوا ينهشُ بعضهم لحمَ بعض، يُلامُ هؤلاء قبل أن يلامَ على ذلك المآل غيرُهم، إنّهم قادةٌ غفلةٌ في إطباقةِ جفنٍ من زمان أغفلَ طُرفة،
هذا الانحدارٌ وهذه المسؤولية، لا تغطي سوءةَ السَّرطانِ السُنيِّ المتجسدِ في أردأ فئاتهِ كما في أردأ فئاتنا، تلكَ التي صافحتِ الشيطانَ لكسرِ معادلةِ الأكثرية، طمعاً في استعادةِ طغيانِ “العوجةِ” القبيحة، وإقصاءِ الآخرِ تحتَ عباءةِ المذهب والحضن العربي، ولا تعفي قادة الكُردِ الذين انتخرَ وهمُ الانفصالِ والصهيونةِ عقولهم حتى غدا الدمُ في عروقهم يقطرُ سماً زعاقاً على هذا الوطن !!
وهنا تحكُمنا لافتاتُ المُفترق في مَفرِقٍ يرسمُ وجهَ التاريخ، اليوم لم يبقَ في قوسِ الصَّبرِ منزع، والمبادرةُ معقودةٌ بنواصي الشرفاءِ من الجيشِ والقوّاتِ الأمنيةِ والمقاومة، لا على الرِّممِ السياسية البالية، ليكونوا على قدر المسؤولية وليطهروا العراقَ من براثنِ الاحتلالِ ودنسِ قادةِ الجشع، لا أن يقعوا في شراكِ قيادة عيَّنَها المُحتل للوصولِ بالعراق إلى مصيدةِ الاحترابِ بين حماةِ الوطن، ليحكم الشيطانُ فينا، ويخلو لإسرائيل دربُ الثأر من عراقٍ أذلّ مملكة يهوذا وجاء بهم أسرى يذيقهم أنواع الهوان،
اليوم يومُ الوعي والقرار لا يوم حيلة “الوطنجية” العاهرة، أو يوم الإنصياع خلف وهم حصر السلاح المتأهّب بيد الدولة المشلولة العضباء التي تساقُ إلى الذبح بلا حسٍ،
اليومَ يومُ اتّحاد قوى العراق الحقيقية الواعية كي تولدَ من وعيهِم دولةُ السيادةِ الحقّة، ويُنحرَ على أعتابها كلُّ الخذلان وكلّ الهوان،
قد طال حملُ العراق وآن أوانُ الولادة الأعسر في تاريخه.
2026-09-10