د.عدنان عويد: أرشيف العقل العربي في زمن التحولات
سيرةٌ ببلوغرافية وأنطولوجيا مثقفٍ من دير الزور
بقلم: عماد خالد رحمة *
حين تصبح السيرة جزءاً من ذاكرة الثقافة
ليست سيرة المثقف تواريخَ متعاقبة، ولا شهاداتٍ أكاديمية، ولا قائمةً من الكتب والمقالات والمناصب؛ فهذه كلها، على أهميتها، ليست سوى العلامات الخارجية لمسار أكثر عمقاً: مسار العقل وهو يتشكل في التاريخ، والإنسان وهو يحاول أن يمنح وجوده معنى من خلال المعرفة.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق تجربة الدكتور عدنان عويد؛ فهو ليس مجرد كاتب وباحث وناقد أدبي سوري راكم خلال عقود مجموعة من الكتب والدراسات، وإنما يمثل، في سياقه الثقافي، نموذجاً للمثقف الذي جعل من المعرفة مشروع حياة، ومن الثقافة سلوكاً، ومن السؤال النقدي أداة لمقاومة الاستلاب والجمود.
إن كتابة هذه الشهادة ليست فعلاً من أفعال المجاملة، ولا محاولة لإحاطة التجربة بهالةٍ من التقديس؛ فالمفكر الحقيقي لا يحتاج إلى أن تُحصَّن أفكاره من النقد. إن قيمته تكمن، قبل كل شيء، في أنه يترك وراءه أسئلةً قابلة للحياة، ويفتح أمام الأجيال مساحات جديدة للتفكير والمراجعة والاختلاف.
ولذلك فإن توثيق تجربة عدنان عويد هو، في أحد أبعاده، توثيق لجزء من تاريخ الثقافة والفكر العربيين في العقود الأخيرة؛ بما شهدا من صعود الأيديولوجيات، وأسئلة النهضة والتحرر، وإشكاليات الدولة والديمقراطية، وتحولات الخطاب الديني، وأزمات الحداثة، ثم الانتقال إلى عصر المنصات الرقمية وتفكك المرجعيات التقليدية.
أولاً: السيرة ومسار التكوين
ولد الدكتور عدنان عويد عام ١٩٥٠ في مدينة دير الزور السورية، ونشأ في بيئة الفرات، حيث يتقاطع التاريخ والجغرافيا، وتتجاور ذاكرة المكان مع تحولات المجتمع السوري والعربي.
تلقى تعليمه الابتدائي في مدينة دير الزور، ثم تابع المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدينة أبو كمال، قبل أن ينتقل إلى دمشق، حيث نال الإجازة في التاريخ من جامعة دمشق عام ١٩٧٥.
ولم يكن التاريخ بالنسبة إليه محطة أكاديمية عابرة، بل بدا بوابة أولى إلى فهم الإنسان والمجتمع والتحولات الكبرى. ومن التاريخ انتقل إلى العلوم السياسية، حيث تابع دراساته العليا، فنال درجة الماجستير في العلوم السياسية عام ٢٠٠٧ عن بحثه الموسوم:
«الأيديولوجيا والفكر السياسي العربي المعاصر»،
ثم نال درجة الدكتوراه عام 2010 عن أطروحته:
«إشكالية الخطاب الديمقراطي في الوطن العربي».
وهنا يمكن ملاحظة خيط معرفي ناظم لمساره: الانتقال من التاريخ إلى السياسة، ومن السياسة إلى الفكر، ومن الفكر إلى نقد البنى التي تصوغ وعي الإنسان العربي.
غير أن الشهادة الجامعية لم تكن نهاية الطريق؛ فقد ظل مشروعه المعرفي مفتوحاً على الفلسفة والاقتصاد والدين وعلم الاجتماع والأدب والنقد، وعلى مدارس فكرية واتجاهات معرفية متعددة.
وتكشف سيرته كذلك عن نزوع واضح إلى التثقيف الذاتي؛ إذ تعلم اللغة الإنكليزية بجهده الشخصي، واستثمرها في الاطلاع والترجمة، وهو أمر يكتسب دلالته في تجربة مثقف لم يجعل الإمكانات المادية المحدودة حجةً للتوقف عن التعلم.
ثانياً: من دير الزور إلى فضاء الثقافة العربية
لعل إحدى الدلالات المهمة في تجربة عدنان عويد أنه لم يكن ابن المركز الثقافي التقليدي.
لقد جاء من دير الزور، من الجغرافيا التي كثيراً ما تُصنَّف في الوعي الثقافي المركزي بوصفها «أطرافاً»، لكنه استطاع أن يحول هذا الموقع إلى منصة لإنتاج المعرفة.
وهنا تتجاوز المسألة حدود السيرة الشخصية لتلامس سؤالاً ثقافياً أوسع: هل تنتج المراكز وحدها المعرفة؟ وهل يكون البعد عن المركز عائقاً أمام صناعة المشروع الثقافي؟
تجربة عويد تجيب عملياً بأن الجغرافيا لا تستطيع وحدها أن تحدد قيمة العقل.
لقد اشتغل بالتدريس، والعمل الثقافي، والمحاضرة، والصحافة، والبحث، والنقد الأدبي، وظل حاضراً في الحياة الثقافية السورية والعربية عبر الكتاب والصحيفة والمجلة والمواقع الإلكترونية.
وترأس لسنوات رئاسة تحرير صحيفة الفرات في المنطقة الشرقية، كما تولى رئاسة فرع اتحاد الكتاب العرب في دير الزور، إلى جانب عضويته في اتحاد الكتاب العرب.
وإذا كان المنصب مؤقتاً بطبيعته، فإن الكتابة هي التي تمنح المثقف استمراره؛ لأن المنصب ينتهي بانتهاء مهمته، أما الكتاب فيبقى قابلاً لأن يعاد اكتشافه بعد عقود.
ثالثاً: الببليوغرافيا بوصفها خريطة للمشروع الفكري
لا تكمن أهمية مؤلفات عدنان عويد في عددها فقط، وإنما في الحقل الفكري الذي تنتظم فيه.
١. الديمقراطية بين الفكر والممارسة
صدر كتاب «الديمقراطية بين الفكر والممارسة» عام ١٩٩٤ عن دار العلم، ثم أعيد طبعه عام ٢٠٠٦ عن دار التكوين.
ويكشف هذا العنوان عن أحد الأسئلة المركزية التي سترافق مشروع عويد: المسافة بين المفهوم والممارسة، وبين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي، وبين الديمقراطية بوصفها فكرة والديمقراطية بوصفها نظاماً ومؤسسات وثقافة.
٢. إشكالية النهضة في الوطن العربي: من التوابل إلى النفط
صدر الكتاب أول مرة عام ١٩٩٧ عن دار المدى، ثم أعيد طبعه عام ٢٠٠٦ عن دار التكوين.
وهو عنوان يفتح على سؤال النهضة العربية وعلاقتها بالتحولات الاقتصادية والسياسية، وعلى أثر الانتقال من اقتصاديات قديمة إلى الاقتصاد النفطي في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع والسلطة والثروة.
٣. التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب
صدر الكتاب عام ٢٠٠٠، وأعيد نشره عام ٢٠٠٧.
وينتمي إلى مساحة بحثية تتقاطع فيها الأديان والسياسة والثقافة والتاريخ، ويتناول المؤلف من خلالها قضية التبشير وسياقاتها الفكرية والتاريخية وعلاقتها بما يراه من مشاريع التغريب.
٤. معوقات حركة التحرر العربية في القرن العشرين
صدر عام ٢٠٠٢، وهو امتداد مباشر لسؤال التحرر الذي ظل حاضراً في الفكر السياسي العربي.
والكتاب ينقل السؤال من مستوى الشعارات إلى مستوى البحث في العوائق التاريخية والفكرية والسياسية التي حالت دون تحقق كثير من مشاريع التحرر العربي.
٥. الأيديولوجيا والوعي المطابق
صدر عام ٢٠٠٦ عن دار التكوين.
وهذا الكتاب يقع في قلب مشروع عويد الفكري؛ لأنه يشتغل على العلاقة بين الأيديولوجيا والوعي، وعلى الكيفية التي يمكن بها للأفكار أن تتحول من أدوات لفهم الواقع إلى أدوات لإعادة إنتاجه أو تزييفه.
٦. رأسمالية الدولة الاحتكارية
صدر عام ٢٠٠٨ عن دار التكوين.
وهنا يتسع المشروع نحو الاقتصاد السياسي، بما يؤكد أن اهتمام عويد لم يكن محصوراً في السياسة بمعناها المباشر، بل كان يحاول قراءة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والسلطة والبنية الاجتماعية.
٧. قضايا التنوير
صدر عام ٢٠١١، بعد أن عمل المؤلف على تعلم اللغة الإنكليزية ذاتياً وترجمة الكتاب.
ويمثل هذا العمل عودة صريحة إلى السؤال الذي يمكن اعتباره أحد أعمدة مشروعه: كيف يستعيد العقل العربي قدرته على النقد والمساءلة؟
وتشير سيرته كذلك إلى اشتغاله على دراسة في الفكر الفلسفي المعاصر، وإلى مشاريع ودراسات أخرى تتصل بالفكر السلفي والخطاب الديني والإسلام السياسي.
رابعاً: الخيط الناظم بين الكتب
عند قراءة هذه العناوين مجتمعة، يصعب النظر إليها بوصفها كتباً متفرقة.
فثمة خيط فكري واضح يصل بينها:
الديمقراطية _ النهضة _ التحرر _ الأيديولوجيا _ الدولة _ التنوير _ نقد الخطاب الديني والسلفي.
وهذه المفردات جميعاً تعود، في النهاية، إلى سؤال واحد:
«كيف يستطيع الإنسان العربي أن يستعيد قدرته على إنتاج وعيه وتحديد مستقبله؟»
وهنا تكمن وحدة المشروع.
فالديمقراطية تحتاج إلى وعي، والنهضة تحتاج إلى عقل نقدي، والتحرر يحتاج إلى استقلال الإرادة، ومقاومة الأيديولوجيا تحتاج إلى وعي بالوعي نفسه، والدولة الحديثة تحتاج إلى مواطن لا إلى تابع، والتنوير يحتاج إلى تحرير العقل من الخوف والوصاية.
وبهذا المعنى يمكن قراءة مشروع عويد بوصفه مشروعاً في تحرير الوعي قبل أن يكون مشروعاً في إنتاج الكتب.
خامساً: الثقافة ليست ترفاً
من العبارات التي تكشف جوهر رؤيته قوله:
«الثقافة وعي الذات».
هذه العبارة تستحق أن تكون مفتاحاً أنطولوجياً لقراءة تجربته.
فالوعي بالذات لا يعني الانغلاق على الذات، وإنما يعني القدرة على رؤية الإنسان لنفسه داخل التاريخ والمجتمع والعالم.
ومن هنا تصبح الثقافة فعلاً وجودياً، لا ترفاً طبقياً ولا زخرفة لغوية.
إن المثقف، في هذا التصور، ليس الشخص الذي يعرف أكثر من الآخرين فحسب، وإنما الذي يمتلك شجاعة تحويل المعرفة إلى موقف ومسؤولية وسلوك.
ولذلك تبدو حياة عويد نفسها امتداداً لهذه الفكرة؛ إذ لم يحصر ثقافته في الكتاب، بل مارسها في التدريس والمحاضرة والصحافة والنقد والحوار والعمل الثقافي.
سادساً: المثقف الذي قاوم المركزية
تكمن إحدى أكثر السمات دلالة في التجربة في أنها تؤكد أن المركز الثقافي ليس بالضرورة مركزاً للمعرفة.
فقد عاش عويد سنوات طويلة في دير الزور، وظل منتجاً للكتاب والمقال والمحاضرة والدراسة.
وهذا يحمل رسالة تتجاوز شخصه: إن المدن البعيدة قادرة على إنتاج المعرفة، وإن المثقف لا يحتاج دائماً إلى الاقتراب من مركز السلطة الثقافية لكي يثبت وجوده.
لقد بنى حضوره بالتراكم.
والتراكم هو أحد أكثر المفاهيم أهمية في قراءة سيرته؛ لأن مشروعه لم يولد دفعة واحدة، وإنما تشكل عبر عقود من القراءة والكتابة والمحاضرة والنقد والبحث.
سابعاً: عدنان عويد والكتابة في زمن الأزمة
مع التحولات السورية الكبرى، انتقل جزء مهم من اشتغاله الفكري إلى الصحافة الإلكترونية ومواقع النشر ومنصات التواصل الاجتماعي.
وهنا واجه المثقف تحدياً جديداً: كيف يكتب حين يصبح الواقع نفسه أكثر تعقيداً من المفاهيم التي اعتاد استخدامها؟
اختار عويد أن يخوض النقاش من داخل الأسئلة الفكرية، ولا سيما ما يتعلق بالإسلام السياسي والسلفية والخطاب الديني وتأويل النص.
وقد انشغل في كتاباته بتفنيد قراءات أصولية وسلفية يراها منحرفة عن مقتضيات العقل والتاريخ، واشتغل على مفهوم الدولة وعلاقة الدين بالسياسة، مؤكداً، في قراءته، ضرورة التمييز بين الدين بوصفه منظومة هداية وقيم، وبين الحكم بوصفه ممارسة بشرية تاريخية.
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض أطروحاته، فإن اللافت في تجربته أنه لم يتعامل مع الأزمة باعتبارها نهايةً للفكر، بل باعتبارها سبباً إضافياً لممارسة الفكر.
ثامناً: ٢٠٠٨ — العقل الذي لم يتقاعد
تكشف المواد المنشورة باسمه خلال عام ٢٠٠٦ عن استمرار واضح في مشروعه، ولا سيما في قضايا الفكر الديني والسلفي والتنوير والسياسة والنقد الأدبي.
ومن أبرز العناوين المنشورة في النصف الأول والثالث من العام:
- هل المنهج أولاً؟ — ٥ شباط فبراير ٢٠٢٦.
- المنظور الفلسفي للسلطة — ١٦ يناير ٢٢٦.
- التيار المدخلي في الدولة الشمولية.. دولة البعث أنموذجاً — ٢٩ يناير ٢٠٢٦.
- قراءة في كتاب الأيديولوجيا والوعي المطابق — ٢٠ شباط فبراير ٢٠٢٦.
- محنة العقل والنقل بين المأمون والمتوكل — ١٤ آذار مارس ٢٠٢٦.
- هل أمر الرسول بكتابة الحديث؟ وهل هو من ملاك ما ينطق عن الهوى؟ — ٢٨ آذار مارس ٢٠٢٦.
- قراءة نقدية معاصرة للخطاب السلفي — ٥ نيسان أبريل ٢٠٢٦.
- رأي السلفية في علم الكلام والتأويل والإيمان — ٩ نيسان أبريل ٢٠٢٦.
- رأي الشافعي في علم الكلام — ١٧ نيسان أبريل ٢٠٢٦.
- التأويل في الخطاب الإسلامي — ١٤ أيار مايو ٢٠٢٦.
- محنة الثقافة في عالمنا العربي ما بين الحداثة والتقليد — ٥ حزيران يونيو ٢٠٢٦.
- السلفية الدينية من تحطيم العقل إلى تحطيم المجتمع — ١٣ حزيران يونيو ٢٠٢٦.
- الطائفية والصراع على التخلف — ١٨ حزيران يونيو ٢٠٢٦.
- أهم الأصول الفكرية وتفريعاتها عند السلفيين — ٢٦ حزيران يونيو ٢٠٢٦.
- الخطاب الديني في الشرق ما بين سلطة التراث وسلطة الغرب — ١٠ يوليو ٢٠٢٦.
- الجهمية في الخطاب الإسلامي — ١٧ حزيران يوليو ٢٠٢٦.
- أفكار في فلسفة التنوير — ٢٣ حزيران يوليو ٢٠٢٦.
- الجذور التاريخية لتأصيل الفكر السلفي وقونته — ٣٠ حزيران يوليو ٢٠٢٦.
- أين نحن العرب من التحرر السياسي والدولة الحديثة؟ — ٦ آب أغسطس ٢٠٢٦.
- عندما تصبح الدولة الشمولية ديناً! — ٢٠آب أغسطس ٢٠٢٦.
- الزمان والمكان بين التجريد والأيديولوجيا في الفكر الأصولي — ٢٨ آب أغسطس ٢٠٢٦ .
- قضايا في الفكر السلفي المعاصر — ٤ سبتمبر ٢٠٢٦.
كما ظل حاضراً في النقد الأدبي، فكتب قراءات ودراسات في الشعر والقصة، الأمر الذي يؤكد أن مشروعه لم يتحول إلى تخصص أحادي، بل بقي مفتوحاً على الأدب والفن بوصفهما مجالين آخرين لفهم الإنسان.
وهذا الاستمرار في الكتابة بعد عقود طويلة من العمل الثقافي يكشف أن التقاعد بالنسبة إلى صاحب المشروع الفكري ليس تقاعداً عن السؤال.
تاسعاً: شهادات من الذاكرة الثقافية
تكتسب الشهادات التي أدلى بها معاصرو عويد قيمة خاصة؛ لأنها لا تقدم معلومات عن الكتب فحسب، وإنما تكشف صورة الرجل في ذاكرة من عرفوه.
يرى الكاتب والأديب عبد الله الشاهر أن عويد يمثل نموذج المثقف الذي أراد أن تكون الثقافة عنده سلوكاً معاشاً، لا مجرد تنظير، ويربط مشروعه بمقولته: «الثقافة وعي الذات».
أما أحمد العلي فيلفت إلى أن رصيد عويد الحقيقي هو إنتاجه الفكري، وأنه ظل حاضراً في منابر الثقافة والإعلام والكتاب، مستنداً إلى تراكم معرفي تشكل بجهد شخصي طويل.
ويشير الشاعر ناظم علوش إلى اشتغال عويد على الفكر العقلاني وتيارات الحداثة وما بعد الحداثة والفن والفلسفة وعلم الاجتماع، ويرى في مسيرته نموذجاً للمثقف الذي بنى نفسه وثقافته ذاتياً.
وتتكامل هذه الشهادات في رسم صورة واحدة: رجل الثقافة الذي لم يجعل من الثقافة مظهراً اجتماعياً، وإنما طريقةً في العيش والتفكير.
عاشراً: الأنطولوجيا — من هو عدنان عويد؟
هنا نغادر الببليوغرافيا لندخل إلى السؤال الأصعب:
من هو عدنان عويد في جوهر تجربته؟
إنه، أولاً، مثقف السؤال.
والسؤال عنده ليس نقصاً في اليقين، وإنما شرطاً للمعرفة.
وهو، ثانياً، مثقف العقل؛ لأن معظم أسئلته تنتهي إلى ضرورة تحرير الإنسان من الوعي المغلق.
وهو، ثالثاً، مثقف التنوير؛ لأن المعرفة عنده ليست جمعاً للمعلومات، بل تحريراً للإنسان من الجهل والاستلاب.
وهو، رابعاً، مثقف الذاكرة التاريخية؛ إذ لم يتعامل مع الحاضر بوصفه منفصلاً عن ماضيه.
وهو، خامساً، مثقف المجال العام؛ لأنه لم يحبس نفسه داخل الأكاديمية، بل ذهب إلى الصحافة والمنبر والكتاب والمواقع الإلكترونية.
وهذه العناصر الخمسة تمنح تجربته وحدتها الداخلية.
حادي عشر: قيمة التجربة وحدودها
إن الإنصاف النقدي يقتضي ألا تتحول هذه الشهادة إلى خطاب تمجيدي.
فالمفكر، أيّاً كان، ابن زمانه، ومفاهيمه تحمل بالضرورة أثر المرحلة التاريخية التي تشكل فيها.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعيد قراءة أطروحاته، وأن تناقش مفاهيمه، وأن تختلف مع استنتاجاته، وأن تقارنها بمناهج فلسفية وسياسية واجتماعية أحدث.
بل إن هذا الاختلاف هو الذي يمنح مشروعه حياةً جديدة.
فالموت الحقيقي للفكر ليس أن يُرفض، وإنما أن لا يعود أحد معنياً بمناقشته.
ومن هنا فإن أفضل وفاء لتجربة عويد ليس وضعها في متحف التقديس، بل إدخالها في فضاء الحوار النقدي.
ثاني عشر: ما الذي ينبغي أن يبقى للأجيال؟
إذا كان لهذه السيرة أن تتحول إلى وثيقة للأجيال، فإنها تحتاج إلى أكثر من هذا النص.
إنها تحتاج إلى مشروع أرشفة حقيقي يشمل:
أولاً: جمع جميع مؤلفات الدكتور عدنان عويد وإثبات طبعاتها وتواريخها ودور نشرها.
ثانياً: إنشاء فهرس شامل لمقالاته الصحفية والإلكترونية بحسب السنوات والموضوعات.
ثالثاً: جمع حواراته وشهاداته ومشاركاته في الندوات والمؤتمرات.
رابعاً: توثيق الدراسات النقدية التي تناولت كتبه وفكره.
خامساً: جمع شهادات زملائه وطلابه ومعاصريه.
سادساً: حفظ أرشيفه الإلكتروني؛ لأن جانباً مهماً من إنتاج المثقف المعاصر لم يعد يوجد في الكتب، بل في المواقع وصفحات التواصل.
سابعاً: إعداد ببليوغرافيا تحليلية تكشف تطور مفاهيمه من الديمقراطية والنهضة والتحرر إلى التنوير ونقد السلفية والخطاب الديني.
إن إنجاز مثل هذا العمل سيكون أكثر من تكريم لشخص؛ سيكون خدمةً لتاريخ الفكر العربي.
حين يتحول الإنسان إلى أثر
ثمة رجال يمرون في الثقافة كما يمر العابرون في الطريق؛ يتركون خلفهم اسماً أو كتاباً أو صورة.
وثمة آخرون يتركون سؤالاً.
وعدنان عويد، في مسيرته الطويلة، ينتمي إلى الصنف الثاني.
فقد بدأ من دير الزور، وحمل معه ذاكرة المكان إلى دمشق، ثم إلى فضاءات أوسع من المعرفة. درس التاريخ، ثم اتجه إلى العلوم السياسية، واشتغل على الديمقراطية والنهضة والتحرر والأيديولوجيا والدولة والتنوير والخطاب الديني والسلفية، ولم يغلق باب المعرفة عند حدود تخصص واحد.
كتب، ودرّس، وحاضر، وترجم، ونقد، وترأس تحرير صحيفة، وانخرط في الحياة الثقافية، وظل يكتب حتى السنوات الأخيرة، وكأن الزمن بالنسبة إلى المثقف ليس عدداً من السنوات، بل مساحة إضافية لاختبار الأفكار.
ولعل القيمة الأعمق في تجربته أنها تقدم للأجيال درساً يتجاوز الكتب نفسها:
أن المعرفة يمكن أن تبدأ من الهامش، وأن العقل لا يحتاج إلى مركز جغرافي كي يصنع مركزه، وأن الثقافة لا تكون حقيقية إلا حين تتحول إلى وعي، وأن المثقف لا يعيش من أجل أن يُصفَّق له، وإنما من أجل أن يترك وراءه ما يستحق أن يُسأل ويُناقش ويُستكمل.
إن عدنان عويد، في النهاية، ليس مجرد قائمة مؤلفات.
إنه سيرة جهد معرفي.
وليس مجرد دكتور في العلوم السياسية.
إنه مسار عقلٍ ظل يختبر الأسئلة العربية الكبرى.
وليس مجرد كاتب من دير الزور.
إنه شاهد على قدرة المكان البعيد على إنتاج خطاب يتجاوز حدوده الجغرافية.
وليس مجرد مثقف عاش زمناً طويلاً.
إنه جزء من ذاكرة جيل عربي حاول أن يفهم لماذا تعثرت النهضة، ولماذا انكسر التحرر، ولماذا ظلت الديمقراطية سؤالاً مؤجلاً، ولماذا أصبح العقل نفسه ساحةً للصراع.
ولهذا فإن حفظ تجربته لا يعني حفظ الماضي فقط؛ بل يعني أن نترك للأجيال المقبلة مادةً تستطيع من خلالها أن تفهم شيئاً من الطريق الذي قطعناه.
فالكتب قد تتغير، والمناهج قد تتبدل، والمفاهيم قد تتجاوز نفسها، لكن يبقى هناك شيء لا ينبغي أن يضيع:
إرادة الإنسان في أن يفكر.
وهذه، في جوهرها، هي الحكاية التي يمكن أن تختصر تجربة عدنان عويد:
رجلٌ جعل من المعرفة طريقاً، ومن الثقافة سلوكاً، ومن السؤال بيتاً، ومن الكتابة محاولةً لمقاومة النسيان.
وما يبقى من المثقف بعد انطفاء صوته ليس عدد الصفحات التي كتبها، وإنما مقدار الضوء الذي تركه في عقول الذين سيأتون بعده.
ومن هنا، فإن أفضل ما يمكن أن نكتبه عن عدنان عويد للأجيال القادمة ليس: «كان هنا»، وإنما:
«فكّر هنا… وكتب هنا… وترك لنا حقَّ أن نواصل التفكير.»
د. د.عدنان عويد
ـ برلين
2026-09-07