أحجية ” الدفاع المشترك التركي السعودي الباكستاني “المحتمل!
وليد عبد الحي
تواترت الانباء ومن مصادر اعلامية متعددة عن مشاورات ولقاءات بين كل من السعودية وباكستان وتركيا لعقد “اتفاقية دفاع مشترك”، وهو هدف يصعب فهم خلفياته وملابساته، فقد اوضح لنا كل علماء العلاقات الدولية من الفيلسوف الهندي كوتيليا (300 قبل الميلاد) الى كل منظري النظرية الواقعية الجديدة والقديمة وما بعد الواقعية المعاصرة ان التحالفات او اتفاقيات الدفاع المشترك تتم بين دول “تستشعر خطرا مشتركا”، وهذه هي القاعدة الذهبية في تأسيس الاحلاف او اتفاقيات الدفاع المشترك.
لكن الدول الثلاث التي نتناولها تتباين في اولوياتها الامنية تباينا واضحا، فالهم الامني الاول لباكستان هو الهند ثم افغانستان وبعض الجماعات الانفصالية بخاصة في المناطق الجنوبية منها، اما تركيا فخصومها الأوائل هم الحركات الكردية الانفصالية اضافة لبعض التوترات في سوريا وشرق المتوسط والقوقاز ، بينما يتمحور القلق الامني السعودي حول سياسات ايران وانصار الله اليمنيين، اي ان “الخطر المشترك ” بالمعنى الاستراتيجي الذي يدفع لانشاء دفاع مشترك غير متوفر، ولعل ما يجمع باكستان وتركيا مع ايران من المنظور الامني يفوق ما يفرقهما…
هل يمكن ربط هذا التوجه للدول الثلاث باستشعار اولي للابعاد التالية:
أ- يبدو ان هناك بذور شكوك في مدى جدوى الضمانات الامنية الامريكية بخاصة من الجانبين التركي والسعودي ،وهذه الشكوك لا تعني التخلي عن الارتباط الوثيق مع الولايات المتحدة –بخاصة من الجانب السعودي-، ولكن لتعزيز الجدران الامنية الاقليمية كحلقة مكملة للحماية الامريكية.
ب- ان هذا التحالف يعزز الصورة الردعية لكل من الثالوث في مواجهة التهديدات المحتملة ايا كان مصدرها.
ت- تبادل المنافع الاستراتيجية بين الدول الثلاث ، فباكستان دولة نووية وتتمتع بخبرة عسكرية هامة، وتركيا تتوفر على صناعات دفاعية متطورة بينما تنفرد السعودية بالثروة المالية والاستثمارية والنفطية، وهو ما يخلق نوعا من التكامل الوظيفي بين الدول الثلاث، وقد يتجسد هذا التعاون من خلال التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل المعلومات الاستخبارية والتعاون في مجال الصناعات العسكرية، لكنه لن يصل الى مرحلة صياغة استراتيجية دفاعية موجهة لعدو محدد(طبقا لنظرية الاحلاف) لأن هذا العدو المحدد غير موجود .
لكن بلوغ الدول الثلاث مرحلة الاتفاق على دفاع مشترك ينطوي على مخاطر قد تجعل الاتفاق ينتهي الى “تحوطات وصياغات مرنة تخرجه من نطاق المعاني الضيقة والدقيقة للاستراتيجيات الأمنية”، فباكستان ترتبط وبقوة مع الصين(نكاية في الهند)، وتركيا تستشعر ان حلف الناتو يتعرض لهزات عميقة بخاصة مع توجهات ترامب ، كما ان موقف الاتحاد الاوروبي منها ما زال ملتبسا ، فمن الضروري تعزيز المكانة الاقليمية لتركيا من خلال الفضاء الاقليمي الآسيوي او الاسلامي في ظل التعالي الاوروبي ، في الوقت الذي ما زال التوجه السعودي ملتصقا بالقاطرة الامريكية.
فاذا كان سند باكستان الدولي هو الصين،وسند تركيا هو حلف الاطلسي ، وسند السعودية امريكا التي تضيق على برامج الناتو، فكيف سيتم التوفيق بين هذه المتناقضات ؟ فما الذي يدفع تركيا لمساندة باكستان اذا هاجمتها الهند؟ ولن تقف تركيا وباكستان الى جانب السعودية إذا هاجمتها ايران او انصار الله ؟ وهل سترسل السعودية قوات لمساندة تركيا لمواجهة حزب العمال الكردستاني او امتداداته في الاقليم؟
من جانب آخر فان العلاقات الايرانية مع الدول الثلاث متباينة ، فباكستان وسيط رئيسي بين الولايات المتحدة وايران، ناهيك عن جوانب تعاون بخاصة في التنسيق مع الصين لانجاح مشروع الطريق والحزام، وتركيا لم تنخرط في “ثنائية السنة والشيعة” كما ان لها استقلالية في اتخاذ القرار السيادي، بل ان تركيا تختزن في ذاكرتها السياسية التنافس التركي السعودي على المركزية “السنية” والذي افرز بعض التباين في الموقف من الاخوان المسلمين ، ومن الواضح ان السعودية رغم وقوعها بين المطرقة الايرانية والسندان الامريكي في المواجهات الاخيرة، فانها اكتفت بالرفض اللفظي للمواقف الايرانية، كما ان الصين قد تعود مرة اخرى لتبعث بعض الحياة في الاتفاق الايراني السعودي الذي رتبته الصين عام 2023. ومن المحتمل ان تعود الدبلوماسية الصينية للنشاط لضمان استقرار العلاقة السلمية بين هذه الدول وايران .
ثمة بعد آخر وهو البعد التجاري ، فحجم التبادل التجاري بين ايران وتركيا تجاوز الخمسة مليارات ، ومع باكستان تجاوز 2.7 مليار دولار ، الا انه ما زال ضيقا مع السعودية ولم يتجاوز مائة مليون دولار.
ومن الضروري عدم اغفال طبيعة النظم السياسية في الدول الثلاث، فمن الصعب للغاية وضع النظام السياسي للدول الثلاث في سلة واحدة، فآليات اتخاذ القرار في تركيا لا تتسق مع ما لدى السعودية بينما تقع باكستان في مرحلة وسطى بينهما مع ميل في السنوات الاخيرة لدرجة اسوأ، فإذا اضفنا لذلك ان معدل الاستقرار السياسي في الدول الثلاث لا يَعِد باستقرار علاقاتها الدولية، فكلها تقع في خانة المعدل السلبي، فالسعودية(- 0.18) و تركيا (- 1.05) وباكستان(- 2.05 )، ومن الصعب ان تستقر علاقات استراتيجية بين دول “غير مستقرة”.
وقد سبق ما يثار حاليا توقيع اتفاق دفاعي بين السعودية وباكستان في سيبتمبر 2025، لكن ذلك بقي في اطار “الاتفاق النظري”، كما ان تركيا تميل تدريجيا للاعتبارات البراغماتية في علاقاتها مع السعودية على حساب التنافس التقليدي على “المركز السُّني” بخاصة في فترة اردوغان .
الخلاصة:
ان هذا التوافق التركي السعودي الباكستاني مدفوع “بالقلق من فراغ امني محتمل في المنطقة” ومن “شكوك وتحوطات من تداعيات الارتباك الامريكي في ادارة الواقع الاقليمي الشرق اوسطي”، وهو ما يعني ان اتفاق الدفاع المشترك الذي يجري الترويج له لن يكون في مضمونه الا ” مصالحات ذهنية” من ناحية، ولن يترك خلفه الا اثرا عابرا من ناحية اخرى..