في غزة… المعاناة لا تزال متواصلة!
سعادة مصطفى أرشيد*
في وقت مستقطع، إمّا بسبب انغماس دونالد ترامب بتفاصيل الحرب على إيران باعتبارها الأولويّة الضرورية، وإمّا بسبب أن أصبحت الحكومة في تل أبيب حكومة تصريف أعمال بانتظار الانتخابات التشريعية الإسرائيلية (الكنيست) في 28 من تشرين الأول المقبل؛ تدفع فلسطين الثمن.
مع نهاية أيلول من العام الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة لإنشاء الحرب في غزة مكوّنة من 20 نقطة، تحدّثت أهمها عن وقف الحرب، – الأمر الذي لم يحصل وإن تغيَّر الشكل والأسلوب -، وعن تبادل أسرى يُفرَج بموجبه عن جميع الأسرى الإسرائيليين وبعض الأسرى الفلسطينيين، وعن نزع سلاح المقاومة لكي تصبح غزة آمنة على جيرانها من المستوطنين مقابل انسحاب إسرائيلي متدرج. وفي الجانب الإداري، نصّت الخطة على تشكيل مجلس دولي للسلام يرأسه ترامب بصفته الشخصية لا الرئاسية، وعن إرسال المعونات الغذائية والصحية، – الأمر الذي لم يحصل أيضاً -، وأخيراً عن تشكيل لجنة تكنوقراط أو حكومة غير سياسية لإدارة الخدمات في غزة، ثم نقاط أخرى تتعلق بإعادة الإعمار وإنشاء مناطق صناعية وأخرى للتجارة الحرة؛ مما سيجعل من غزة، – حسب هذا التصور-، منطقة ازدهار ورخاء.
تشكلت لجنة التكنوقراط ورابط أعضاؤها في القاهرة منذ تشرين الأول الماضي بانتظار أن تسمح لهم “إسرائيل” بالدخول إلى غزة ومباشرة العمل، وهم لا زالوا ينتظرون. أما في زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن، فقد بدا واضحاً أن ترامب يريد التفرّغ للملف الإيرانيّ الذي ازداد تعقيداً، ويريد الوصول إلى نتائج في الملفات العالقة ومنها ملف غزة الذي طال به الزمن، وأخذ نتنياهو كل الوقت لإنجازه؛ فتمّ إحياء الحديث حول خطة الـ 20 نقطة، وتزامن ذلك مع مفاوضات وحوارات في القاهرة شارك فيها القيادي الفلسطيني محمد دحلان وغابت عنها السلطة الفلسطينية في رام الله. وقد وافقت المقاومة على تجميد سلاحها أو نزعه وسط انتقادات مَن خذلها ولم يقدّم لها المساعدة طيلة سنوات الحرب. وحسب القيادي في حركة حماس غازي حمد، فإن نزع السلاح أو تجميده سيستغرق أسبوعين، ولكن شيطان التفاصيل يتربّص داخل هذه المعادلة المفخخة؛ فالمقاومة كلّما سلّمت سلاحاً سيطالب نتنياهو بالمزيد حتى لو اضطرت إلى استقدام أسلحة جديدة من خارج غزة لإرضائه؛ كل ذلك لتبرير تأخير انسحابه ولمواصلة حربه.
ولكن على أرض الواقع، قام الجيش الإسرائيلي إثر ذلك بتصعيد غير مسبوق طال أرواح المدنيين وما تبقى من مبانٍ ومرافق صحية ومدنية، وهو ما يتنافى تماماً مع ما قاله ترامب. فيما يؤكد الإسرائيلي أن لا انسحاب من الخط الأصفر ولا إدخال للمساعدات، يترافق ذلك مع الهجوم المنسق مع نتنياهو الذي شنه أقطاب الحكومة، – ومنهم سموتريتش وبن غفير-، الذين رأوا أن هذا الاتفاق في غير صالح “إسرائيل”، وأنه فُرِض فرضاً على رئيس الوزراء نتنياهو.
القيادي الفلسطيني محمد دحلان الذي كان له دور في هذه المفاوضات والمعروف بعلاقاته الجيدة مع طاقم الإدارة الأميركية المكلف بمتابعة ملف غزة الثنائي (ويتكوف وكوشنر)، قال إن موافقة حركة المقاومة الإسلامية حماس كانت النقطة المهمة لإنجاح هذا الاتفاق، لذلك على “إسرائيل” وقف أعمال القصف؛ فرد عليه الإسرائيلي بقتل 13 مدنياً فلسطينياً في غزة. هكذا لا يبدو أن قرارات ترامب تترافق بضغط كافٍ على نتنياهو، وهذا يعني حكماً أنّ المقاومة لم تسلّم سلاحها، وأنّ نتنياهو سيبقى مطلق اليدين في هذا الوقت المستقطع، وأن معاناة غزة مستمرّة…
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-08-06