المعرفة والفعل: زرقاء اليمامة والحركة الثورية!
جمال الطاهات
مأساة المعرفة التي لا تمكن من اشتقاق فعل
مأساة زرقاء اليمامة، انها رأت الغابة تمشي نحو قومها، وما رأته كان استثنائياً ولا توجد خبرة لدى قومها لاشتقاق فعل لمواجهة غابة تمشي او حتى التعاطي معه. إذ أن الغزاة (وكان قومها يتوقعون مجيئهم) قطعوا سيقان الشجر وحملوها وساروا. ولكن ما الذي يمكن عمله لمواجهة غابة تمشي؟ غياب الفعل الذي يمكن اشتقاقه من الرؤية دفع قومها لاتهامها بالخرف والجنون. وهذه ذات المأساة التي تحدث عنها شكسبير في مسرحية مكبث، الغابة التي تمشي وتنذر بالنهاية. النتيجة كانت ان الغزاة وصلوا، وأمعنوا قتلاً بقوم زرقاء اليمامة، وسملوا عينيها، وصنعوا منها كحلاً لعيون الغزاة.
الغابة تمشي نحو شعبنا وسوف تسحقه، فما هو العمل؟ شعبنا يدرك ما جرى ويجري، ولكنه يحتاج إلى من يدله على خيارات عملية لإنقاذ نفسه. ولتجنب تكرار مأساة زرقاء اليمامة، على الحركة الثورية أن تقدم ما هو أكثر من اكتشاف أسباب الثورة ومبرراتها، وهو تصميم الفعل الثوري، وتحويله من نشاط استثنائي لبعض الأفراد إلى ممارسة عامة.
الغابة تمشي، فهناك تحولات عميقة في علاقات القوى على المستويين الإقليمي والعالمي، محمولة على تحولات تقنية غير معهودة عبر التاريخ الإنساني، يترافق ذلك مع استبداد وفساد يفرضه شخص وعائلته تحولوا لمخلب هيمنة خارجية، يستبدون بالعباد وينهبون الموارد. هذا وصف عام، الفرق بين حالة الحركات الثورية وزرقاء اليمامة، أن الأخيرة كانت ترى لوحدها، في حين على الحركة الثورية أن تجعل المشهد متاح لكل الناس، ليس فقط بوصفه، بل وباشتقاق فعل لمواجهته. والمطلوب واضح، تقديم تصورات عملية (ممكنة ومفيدة) لفعل يمكن من مواجهة ما يجري. زرقاء اليمامة لم تملك إلا عينيها، في حين الحركة الثورية مطالبة بان تقدم ما هو أكثر من الوصف الموضوعي والدقيق لما يجري، وهو كيفية مواجهته.
مأساوية العلاقة بين المعرفة والفعل الثوري الفردي
العلاقة بين (المعرفة “الرؤية” والفعل) هي علاقة مأساوية دائماً إلا إذا انطوت المعرفة على إمكانية اشتقاق فعل جماعي. فما حصل مع بروميثيوس (ومعنى اسمه المستشرف، الذي يرى مسبقاً) هو مأساة أخرى، ولكنه تحملها وحده كبطل من اجل البشرية. فحين استبد زيوس وقام بحرمان البشرية من النار بقرار ظالم، تسلق بروميثيوس الجبال وسرق النار وسرها وقدمها للبشرية. وكانت النتيجة انه تعرض لعذاب أليم دام طويلاً قبل أن يحرره (هيركيولس) بطل عظيم صنعته الأقدار والمآسي. ولكن بقيت الحلقة الأخيرة من القيد حول قدمه. وللتخلص من الحلقة الأخيرة من القيد لا بد من تحويل البطولة إلى فعل جماعي بسيط وعادي.
الوجه الآخر هو شقيق بروميثيوس، ابيميثيوس (ومعنى اسمه الذي يتأمل بالأشياء بعد حصولها)، فتعلقه بالمعرفة لتفسير ما جرى، حولته إلى مطية لكل الشرور لتغزو العالم عن طريقه. الاكتفاء بتفسير ما جرى ويجري، دون القدرة على بناء التصورات لفعل يصنع المستقبل، ببساطة يحول المعرفة إلى مطية للشرور.
الفكر الإسلامي قدم مساهمة استثنائية في تحديد قيمة المعرفة السياسية بالذات. صحيح أن تجنب الضلال واكتشاف الطريق القويم بقي قضية مركزية، ولكن الماوردي قدم مساهمة استثنائية في تحديد قيمة المعرفة السياسية بانها من أجل “تسهيل النظر، وتعجيل الظفر”. ولكن الالتباس بقي بسبب التصور المركزي للسياسة وهو “الإمارة” وليس تحرر الشعوب.
التحرر من المأساة بتحويل الثورة إلى منهج
فكرة المنهج تنطوي على مجموعة قواعد بسيطة وصارمة بذات الوقت. المنهج الثوري قائم على أربعة أركان متماسكة: الأول معرفة بالواقع الموضوعي وتحرير الناس من الخديعة، والثاني تحديد البديل الممكن لهذا الواقع، والثالث تحديد المسارات المفضية لهذا البديل، والرابع تحديد الفعل الجماعي لتحقيق عملية الانتقال أو السير الجماعي للوصول إلى الواقع الجديد. والركن الرابع (تحديد الفعل الجماعي) هو الضرورة الغائبة عن ممارسات الحركات الثورية في الأردن. فهناك بطولات فردية استثنائية. ولكنها وحدها لا تكفي لإنجاز الثورة.
جدوى الحركة الثورية وقيمتها تكمن بالعمل على اكتمال المنهج الذي يحقق التغيير الثوري. فالثورة لا تتحقق إلا حين تتحول إلى خيار جماعي، وهذا لا يمكن له أن يكون إلا بوجود تصور لواقع بديل، وطريق لتحقيقه.
التحرر من الخوف
السلاح الوحيد لدى الاستبداد والفساد، وما يمارسه المستبد الفاسد وعائلته في الأردن، هو نشر الخوف لمنع تحول الخيار الثوري إلى خيار جماعي. تحرير الناس من الخوف، ضرورة لتحقيق الركن الرابع للثورة (تحديد الفعل الجماعي الذي ينجز التغيير). وهذا يتطلب ما هو أكثر من القيام بمغامرة بروميثيوس وتقديم سر البطولة للناس. فالمطلوب تحويل الفعل الثوري إلى فعل عادي، عندها سوف تتحرر الحركة الثورية نفسها، وتتحول البطولة الفردية إلى رافعة للتعبئة والتغيير.
أخيراً،،،
الحركة الثورية في الأردن مطالبة بأن تقدم ما هو أكثر من مشهد البؤس الذي يعيشه الشعب الأردني الناتج عن الاستبداد والفساد، وما هو أكثر من العد التنازلي نحو الثورة الممكنة. وحتى تتجنب الحركة الثورية الأردنية مصير زرقاء اليمامة، ويتحول روادها إلى مجرد شهود اثبات وربما ضحايا لترويع الآخرين، عليها اولاً أن تساهم بتحرير شعبنا من الخوف عبر تقديم وصف للواقع البديل، والطريق إلى تحقيقه. فمن الضروري أن يتضمن الوعي الثوري للبؤس طريقاً ممكناً ومعقولاً للتخلص منه. فالشعوب لا تتخلص من بؤسها إلا بالمسير نحو واقع أفضل، بمعالم واضحة، وبطريق لا تقل وضوحاً عن ملامح الحلم. فحتى يتوصل الشعب إلى الفكرة البسيطة أن كلفة الخضوع أعلى بكثير من كلفة الفعل الثوري، يجب أن يكون الفعل الثوري واضحاً ونتائجه واضحة وموصوفة بعناية
2026-07-15