آخر مهام النُخب العربية!
اضحوي جفال محمد*
النخبة المتعلمة والنشطة هي روح الامة وقيادة المجتمع والقوة المضحية دفاعاً عن الحقوق والكرامة والهوية. هذا التعريف عام لا تختص به أمة دون أخرى. وهكذا كانت النخب العربية خلال حقبة الكفاح ضد الاستعمار الغربي والمشروع الصهيوني في القرن الماضي. كانوا يقودون الحراك الشعبي ويتصدون لقمع الأنظمة العميلة والمتخاذلة ويقدمون أغلى التضحيات. وكانت الامة مهيبة بهم لا بالأنظمة الحاكمة. وكان المستعمرون يحسبون لهم الف حساب، والجماهير تتلاقف خطاباتهم وقصائدهم وأهازيجهم وتسير بهديها. لكنهم تخلوا عن دورهم الريادي في منتصف الطريق وخلعوا شعارات التحرر والتقدمية واندسوا بين العوام ليتحول الجميع إلى كتلة هلامية في مهب الأجندات المختلفة، جاهزة للانقياد وراء كل ناعق. وكانت أجهزة الغرب الاستعماري لهم بالمرصاد، فحوّلتهم إلى وقود للصراعات البينية، وأهمها الطائفية ذات القدرة السحرية في تحويل الجمهور إلى قطيع والعدو إلى صديق والشرف إلى رذيلة. فلم يقفوا عند حد التنازل عن قضية الامة في فلسطين او مبادىء الحرية، وانما انقلبوا وقلبوا معهم الرعاع إلى النقيض حرفياً. فأصبحوا يعادون كل من يعادي اسرائيل، ويحقدون على كل من يقاومها، ويكرهون كل من ينتقد الحكام الخونة. لقد مُسخوا مسخاََ وباتوا مجرد أبواق للأنظمة العميلة. وراحوا ينافسون رجال الدين على أقذر بضائعهم، بضاعة الطائفية الأشد فتكاََ من المخدرات. الذين يفترض انهم بوصلة التقدم والبناء والشموخ أخذوا ينقّبون في القبور البالية عن مقولات طائفية عفا عليها الزمن ليجعلوا منها قضية الساعة والعصر ومصائر الشعوب. والغريب أنهم حملوا مسألتين متناقضتين بشكل صارخ، وراحوا ينظّرون لهما معاً والجماهير البائسة سعيدة بتلك النقائض. فهم من جهة يبذلون كل ما يستطيعون من افكار لاقناع الناس بأن معاداة امريكا جنون ومحاربة اسرائيل انتحار، فما على العربي إلا الاستسلام والخضوع والطاعة العمياء لأمريكا وعملائها الحاكمين. هذه النظرية الاستسلامية لا تعمل في شأننا المحلي، فعندما يتعلق الأمر باقتتالنا الداخلي ذي الدوافع الطائفية تراهم ينقلبون إلى ثوار من الطراز الاول، يدعون للقتال مهما كلف الثمن، ولا يجيزون المهادنة حتى لو مات الملايين.
هم الذين ابتدعوا نظرية (المسرحية) ليرموا بها كل من يتصدى لأمريكا او إسرائيل، فكانت بحق أوسع كذبة عرفها التاريخ، وطبلت لها أمة كاملة نصف قرن. حتى إذا سالت الدماء انهاراً ونطق الشجر والحجر بزيف ما يأفكون تخلوا عنها على مضض. وعزاؤهم في التخلي عن درة فكرهم أن الأمور حُسمت ولن يبقى مقاوم واحد على وجه الارض. فليكن ذلك مصداقاً لنظرياتهم الاستسلامية بأن المقاومة انتحار.. تحت هذا الشرط فقط أقلعوا عن ترديد مقولة (المسرحية) وأحلوا محلها ان أمريكا إله الكون. غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنهم، وسقط الإله بعد اكتمال نظريات ربوبيته، مثل عريس يموت خلال مراسم الزفاف.
كانت أياماً عصيبة عليهم أن تُهزم امريكا مع تلاشي نظرية المسرحية.. فما العمل؟. بعضهم عاد يبحث عن (المسرحية) في مستودع الخردة، وبعض آخر مستنفر العقل واللسان لاثبات أن امريكا لم تُهزم وأن تمكنها من فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب ما هو إلا دليل دامغ على نصرها المؤزر. أما الجزء الثالث فقد خرج من حضيرة القطيع بعدما أدرك بالعقل والعينين وساخة المستنقع الذي تتخبط فيه أمة عظيمة كأمتنا. لقد انهزمت امريكا أمام شعوب كثيرة دافعت عن كبريائها بشمم، وكان خليقاََ بنا أن نكون بين اولئك المتصدين لأضرى عدوان وظلم عرفه التاريخ، وان نكون نحن قاصميه لا الإيرانيون والأفغان والفيتناميون. ومع ذلك لم نخرج صفر اليدين من أشرف منازلة عرفها التاريخ الإنساني، فدماء شهدائنا في فلسطين ولبنان وغيرها حجزت لنا مواقع نيّرة على لوحة الشرف، وهي التي خلخلت سواد ضعفنا وفتحت الباب للتحولات الشعبية من الظلمة إلى النور.
من ينظر اليوم إلى خارطة المواقف الشعبية يلمس حجم التحولات. وللأسف او للفخر فإن أقلّها في مشرقنا. لقد تقدم علينا العرب الأفارقة تقدماً كبيراً، ومع ذلك فإن الحركة الدائبة مستمرة، ولتبق النُخب الرديئة عاكفة على مستنقعها الآسن.
( اضحوي _ 2397 )
2026-06-20