أوروبا: خسائر العدوان على إيران!
وإستراتيجيات التعويض
بانتظار ما ستسفر عنه الساعات/الأيام المقبلة من مفاوضات بشأن الحرب ومضيق هرمز، يستمر الأوروبيون في الإعداد لسيناريوهات تتراوح بين تنظيم العودة التدريجية للأوضاع الطبيعية والتعامل مع استمرار حالة الطوارئ الاقتصادية لشهور إضافية
سعيد محمد*
تشهد الأسواق الأوروبية حالة من التوتر الشديد جراء استمرار إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي كانت تتدفق عبره خمس تجارة النفط والغاز العالمية وثلث تجارة الأسمدة الدولية قبل أن يغلق نتيجة للعدوان الأمريكي/ الإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير / شباط الماضي.
وأطلق إغلاق المضيق ضغوطاً تضخمية إضافية على اقتصاد الاتحاد الأوروبي الذي يعاني أصلاً من تداعيات أزمات سابقة. ومع تراجع المخزونات من الغاز ووقود الطائرات إلى مستويات حرجة، تواجه القارة خطر نقص فعلي في الإمدادات على نحو دفع صناع القرار ومدراء الشركات إلى البحث عن بدائل عاجلة لتعويض هذه الخسائر، وتأمين استمرارية سلاسل التوريد.
ويتركز الانكشاف الاستراتيجي للقارة في الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي المسال القادم من منطقة الخليج، وتحديداً من قطر التي تؤمن وحدها نحو 15 بالمئة من إجمالي واردات القارة من هذا المورد الحيوي المعتمد كبديل للنفط الروسي منذ قررت القارة فرض عقوبات على روسيا إثر اشتعال الحرب الأوكرانية. وقد أدى توقف حركة الناقلات عبر مضيق هرمز منذ مارس / آذار الماضي إلى ارتفاع أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في مركز “تي تي إف” الهولندي بنسبة 60 بالمئة لتصل إلى 50 يورو لكل ميغاوات/ساعة.
وتزامن هذا الارتفاع مع انخفاض تاريخي في مستويات التخزين الأوروبية التي بلغت نحو 30 بالمئة بشكل عام، فيما لامست احتياطيات ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في التكتل، مستوى ال20 بالمئة فقط، ما فرض إعادة صياغة للتوقعات الاقتصادية لعام 2026 صعوداً للتضخم وهبوطاً للنمو.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن الأزمة الحالية سترفع معدل التضخم الرئيسي في منطقة اليورو بمعدل الثلث ليصل إلى نحو 2.3 بالمئة. في المقابل، يتوقع الخبراء تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة ليستقر عند حدود 1.0 بالمئة خلال العام الحالي نتيجة تآكل القوة الشرائية للأسر بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة.
وقد صاغت مجموعات مالية كبرى سيناريوهات أكثر قتامة في حال استمرار أزمة إغلاق هرمز لمزيد من الوقت. إذ يمكن أن تقفز أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل والغاز إلى 100 يورو للميغاوات/ساعة، الأمر الذي قد يرفع التضخم بمعدل 3.6 نقطة مئوية بحلول نهاية العام. هذا السيناريو حال تحققه سيجبر البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة مرتين متتاليتين بواقع 25 نقطة أساس لكبح التأثيرات الثانوية على الأسعار الأساسية.
ولم تسلم أسواق العملات من هذه الهزات، إذ فقد اليورو نحو 1.8 بالمئة من قيمته أمام الدولار الأميركي، وشهدت عملات أوروبا الشرقية تراجعات أكثر حدة، حيث انخفض الفورنت الهنغاري بنسبة 5 بالمئة والزلوتي البولندي بنسبة 3.5 بالمئة، ما يزيد من كلفة الواردات المقومة بالعملة الأميركية، ويغذي تضخم أسعار المواد المستورة..
وبالطبع لا تقتصر تداعيات الحرب على وقود التدفئة والكهرباء، بل تمتد لتمس قطاعات حيوية أخرى، أبرزها أسمدة المزارع. ويواجه قطاع الزراعة الأوروبي أزمة حادة بسبب الارتفاع العالمي في أسعار الأسمدة النيتروجينية بعد توقف خطوط الشحن عبر هرمز على الرغم من أن القارة تعتمد بنسب ضئيلة على أسمدة من الشرق الأوسط، ذلك أن التنافس الدولي على المصادر البديلة رفع الأسعار بشكل جنوني في كل مكان.
وحذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة من كارثة غذائية محتملة في حال استمرار الحصار المائي واضطراب الإنتاج في مناطق رئيسية كأستراليا وآسيا. في أستراليا، ثالث أكبر مصدر للقمح في العالم، يزرع المزارعون مساحات أقل هذا العام مما يهدد بحصاد أصغر بنسبة تصل إلى 40 بالمئة. وعبر آسيا، من المتوقع أن تنخفض إمدادات الأرز هذا العام بسبب تقاطع انعكاسات العدوان على إيران وظاهرة النينو المناخية الناشئة.
توازياً يعاني قطاع الطيران الأوروبي من نقص حاد ونوعي في وقود الطائرات، حيث كانت القارة تستورد نحو 20 بالمئة من احتياجاتها مباشرة من مصافي الخليج التي توقفت صادراتها تماماً. وأدى تراجع الصادرات العالمية من هذا الوقود بنسبة 30 بالمئة في أبريل الماضي إلى تضاعف أسعاره في أوروبا لتصل إلى 187 دولاراً للبرميل.
نتيجة لهذه القفزة، سارعت شركات طيران كبرى مثل “لوفتهانزا” إلى إلغاء نحو 20 ألف رحلة قصيرة المدى ممتدة حتى شهر أكتوبر المقبل، كما وجه المجلس الدولي للمطارات في أوروبا تحذيرات شديدة من حدوث نقص هيكلي شامل يهدد ذروة موسم السفر الصيفي بحلول يونيو/ حزيران أو يوليو/ تموز المقبلين.
أمام هذه التحديات الجسيمة، اضطرت الحكومات الأوروبية والمفوضية في بروكسيل إلى تبني حزمة من الإجراءات المؤقتة والمستهدفة لتقليل الأضرار وتعويض النقص الحاصل.
وقرر مجلس الاتحاد الأوروبي رفع الرسوم الجمركية مؤقتاً لمدة عام واحد عن الأسمدة النيتروجينية الأساسية مثل اليوريا والأمونيا لتخفيف العبء عن كاهل المزارعين وتأمين استمرارية الإنتاج الزراعي. وتستورد القارة سنوياً نحو مليوني طن من الأمونيا و5.9 مليون طن من اليوريا.
وقد حدد القرار نظام حصص دقيق يعادل حجم الواردات لعام 2024 من الدول الأكثر رعاية مع إضافة 20 بالمئة من الأحجام التي كانت تستورد من روسيا وبيلاروسيا اللتين استثنيتا تماماً من التسهيلات الجمركية لحماية مصالح المنتجين المحليين وتأكيد استمرار العقوبات. وفي جبهة وقود الطائرات تكثف المفوضية الأوروبية جهودها لتأمين إمدادات بديلة عبر زيادة الواردات من الولايات المتحدة الأميركية. ونجحت هذه الجهود في رفع تسليمات الوقود الأميركية إلى أوروبا بنسبة تتجاوز 400 بالمئة خلال شهر أبريل/ نيسان الماضي مقارنة ببداية الحرب. واستفادت المصافي المستقلة في أميركا من الوضع برفع طاقتها الإنتاجية وتعديل خطوط تشغيلها لتوجيه الفوائض نحو الأسواق الأوروبية المتعطشة.
بالموازاة مع ذلك، تعمل شركات الشحن الكبرى، وفي مقدمتها العملاق الدنماركي “ميرسك”، على إدارة الارتفاع الضخم في كلفة الوقود الذي أضاف نحو 500 مليون دولار شهرياً إلى فاتورتها التشغيلية. وحافظت الشركة على توقعات أرباحها من خلال تمرير الكلفة سريعاً إلى العملاء عبر تعديل أسعار الشحن مستفيدة من استمرار الطلب القوي على الحاويات بنمو متوقع يتراوح بين 2 و4 بالمئة هذا العام.
ومع الإعلان مع نهاية الأسبوع الماضي عن حدوث تقدم رئيسي في المفاوضات الدبلوماسية بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة أطراف إقليمية ودولية باتجاه إبرام اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، رحبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بما اعتبراه مؤشرات إيجابية، مع تأكيدهما على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل يضمن حرية الملاحة غير المشروطة.
وتتضمن المسودة المقترحة التي وصلت للصحف هدنة ممتدة لـ60 يوماً يتم خلالها إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية، فيما تتعهد إيران بتطهير الممر المائي من الألغام البحرية وعدم فرض أي رسوم أو عبور مشروط على السفن، مقابل رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية والسماح لطهران ببيع نفطها، والإفراج عن جزء من أموالها المجمدة في الخارج.
ومع تعاظم فرص الحل الدبلوماسي، بدأت تتكشف ملامح أولية لإستراتيجية أوروبية تركز على مرحلة ما بعد الحرب وتستهدف استعادة الاستقرار سريعاً للأسواق. وأبدت عواصم أوروبية نافذة استعداداً للمساهمة في إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة، ومنها مصافي الغاز والنفط في دول الخليج ومنشأة “رأس لفان” القطرية، لضمان التدفق السريع للإمدادات واستعادة التوازن لأسواق الطاقة العالمية.
وكانت تقارير متخصصة أشارت إلى أن ما لا يقل عن ثماني مصافٍ خليجية كبرى خرجت عن الخدمة كلياً أو جزئياً بسبب الاستهداف العسكري.
وتترافق هذه الخطط مع توجه أوروبي لتحديث نموذج الطاقة وتطوير محطات الاستقبال لتقليل الحساسية تجاه الاختناقات الجيوسياسية في المستقبل.
على الصعيد المالي، دفعت هذه الأزمات المتلاحقة وزراء المالية في منطقة اليورو إلى تسريع التنسيق بشأن قضايا الإسكان والدعم الاجتماعي. وحذر وزير المالية اليوناني كيرياكوس بيراكاكيس في اجتماع لمجموعة اليورو من أن يونيو / حزيران سيكون أصعب من مايو / أيار، ويوليو / تموز أصعب من يونيو / حزيران إذا استمر الوضع الراهن. وشدد الوزير على أن الاستجابة يجب أن تكون عاجلة وموجهة وقابلة للتكيف وذلك لتجنب تحول أزمة الطاقة إلى كارثة مالية أوسع.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-05-26