حرمان الوريث من ميراثه
جريمة أخلاقية قبل أن تكون مخالفة شرعية وقانونية
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
الميراث ليس منّة يمنحها القوي للضعيف، ولا هبة يتفضّل بها المسيطر على التركة لمن يشاء ويحجبها عمّن يشاء، بل هو حق ثابت أقرّته الشريعة، ونظّمته القوانين، وحمته الأعراف الإنسانية السليمة. ومع ذلك، ما زالت قضية الميراث في مجتمعنا العراقي من القضايا الشائكة التي تركت جراحًا عميقة في بنية العائلة، وفتحت أبوابًا واسعة للنزاع، والقطيعة، وتشويه العلاقات بين الإخوة والأقارب.
لقد عرف العراق، منذ سبعينيات القرن المنصرم وما بعدها، ظروفًا سياسية وأمنية واقتصادية قاسية دفعت كثيرًا من أبنائه إلى مغادرة الوطن قسرًا أو اضطرارًا. بعضهم غادر هاربًا من بطش السلطة، وبعضهم خرج طلبًا للأمان أو العلم أو الرزق، وبعضهم حُرم من العودة سنوات طويلة بسبب الخوف والملاحقة والاضطهاد. وحين أُتيحت لهؤلاء فرصة العودة إلى وطنهم، اصطدم كثيرون منهم بحقيقة مرة: أن بعض الأقارب، ممّن ظلوا داخل العراق أو سيطروا على أموال العائلة، حاولوا حرمانهم من حقوقهم في الإرث، وكأن الغياب القسري يسقط الحق، أو كأن البعد عن الوطن يلغي رابطة الدم والشرع والقانون.
إن هذا السلوك لا يمكن تبريره بأي ذريعة. فالوريث يبقى وارثًا، سواء كان حاضرًا أم غائبًا، مقيمًا أم مهاجرًا، قريبًا أم بعيدًا. والحق لا يسقط بالتقادم الأخلاقي، ولا يُمحى بالمكر، ولا يُلغى بمجرد السيطرة على العقار أو المال أو الوثائق. وما أكثر الحالات التي جرى فيها التلاعب بالوقائع، أو إخفاء المستندات، أو الضغط على الورثة الضعفاء، أو تشويه صورة الغائبين، أو تصويرهم وكأنهم تنازلوا عن حقوقهم، أو لم يعودوا بحاجة إليها لأنهم عاشوا خارج العراق.
والغريب، بل المؤلم، أن بعض من مارسوا هذا الإجحاف لم يكتفوا بالاستيلاء على الحق، بل حاولوا أيضًا صناعة رواية مغايرة للحقيقة؛ رواية تقوم على التشنيع، وتشويه السمعة، وقلب الوقائع، واتهام صاحب الحق بالجحود أو الطمع، بينما الطمع الحقيقي هو أكل مال الغير بغير وجه حق. وهذه من أخطر صور الظلم، لأنها تجمع بين سلب المال وسلب الكرامة.
وقد حذّر القرآن الكريم من هذه النزعة تحذيرًا بليغًا في قوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾، أي أكل الميراث أكلًا جائرًا شديدًا يجمع فيه الإنسان حقه وحق غيره دون ورع أو خوف من الله.
كما أن القرآن الكريم قرر أصل الحق بوضوح لا لبس فيه في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. فالنصيب هنا ليس اختياريًا، ولا تابعًا لمزاج كبير العائلة، ولا خاضعًا لقوة المسيطر على المال، بل هو نصيب مفروض.
ومن الناحية القانونية، فإن حرمان الوريث من حقه يفتح باب النزاع أمام القضاء، وقد يترتب عليه بطلان التصرفات التي تمت بقصد الإضرار بالورثة أو إخفاء الحقوق أو الاستحواذ غير المشروع على أموال التركة. فالتركة ليست ملكًا لمن وضع يده عليها، بل هي مال مشترك بين الورثة كلٌّ بحسب حصته. والتصرف بها دون علم بقية الورثة أو دون رضاهم أو دون سند قانوني صحيح يُعدّ اعتداءً على حقوقهم، ويستوجب المساءلة والمطالبة القضائية.
لكن الخطر الأكبر لا يقف عند حدود القانون. فالميراث حين يتحول إلى ساحة صراع، يهدم ما بناه الآباء والأمهات طوال حياتهم من محبة وودّ وصلة رحم. كم من إخوة أصبحوا غرباء بسبب دار أو قطعة أرض أو مبلغ مال؟ وكم من عائلة تمزقت لأن أحد أفرادها ظن أن القوة أو القرب المكاني أو امتلاك الوثائق يمنحه الحق في إلغاء الآخرين؟ وكم من أمّ أو أب لو عاد إلى الحياة لحزن أشد الحزن وهو يرى أبناءه يتنازعون على ما تركه لهم، لا باعتباره ذكرى عائلية، بل غنيمة يتسابقون عليها؟
إن المال الذي يُؤخذ ظلمًا لا يبارك الله فيه. قد يكبر في الدفاتر، وقد يتحول إلى عقار أو تجارة أو رصيد، لكنه يبقى محمّلًا بدعوات المظلومين، وبأوجاع الأشقاء، وبدموع من حُرم من حقه. وأكل الميراث ليس مجرد خطأ عائلي عابر، بل هو امتحان للضمير، وميزان للتقوى، وكاشف لحقيقة الإنسان عندما يواجه إغراء المال.
ومن هنا، فإن الواجب الأخلاقي والديني والقانوني يفرض على كل عائلة أن تعالج مسائل الإرث بالحكمة والشفافية والعدل. يجب حصر التركة بوضوح، وإشراك جميع الورثة، وعدم إخفاء أي مال أو عقار أو وثيقة، وعدم استغلال غياب أحد الورثة أو ضعفه أو جهله بالإجراءات. كما يجب الابتعاد عن ثقافة العيب الزائف التي تمنع صاحب الحق من المطالبة بحقه، بينما لا ترى عيبًا فيمن يستولي على حق غيره.
إن المطالبة بالميراث ليست قطيعة رحم، بل القطيعة الحقيقية هي أن يُدفع الإنسان دفعًا إلى المحاكم لأنه لم يجد إنصافًا داخل بيته. والمطالبة بالحق ليست طمعًا، بل الطمع هو أن يأخذ الإنسان أكثر مما قسمه الله له. والسكوت عن الظلم لا يصنع عائلة متماسكة، بل يصنع قهرًا مكتومًا ينفجر يومًا ما في صورة خصومة وعداوة ومرارة لا تنتهي.
لذلك، فإنني أوجه هذه الكلمة التحذيرية إلى كل من يضع يده على تركة لا تخصه وحده: اتقِ الله في إخوتك وأخواتك وأبناء عمومتك وورثة أهلك. لا تجعل المال سببًا في خراب الرحم. لا تستبدل بركة العائلة بلعنة الخصومة. ولا تظن أن غياب الوارث أو غربته أو ضعفه يمنحك حقًا في ماله.
فالحقوق لا تموت، والظلم لا يُنسى، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. وما أجمل أن يخرج الإنسان من قسمة الميراث نظيف اليد، مطمئن الضمير، حافظًا لرحمه، بدل أن يحمل مالًا مشوبًا بالحرام وقلوبًا مكسورة من حوله.
إن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى بالضمير حين يحرس القانون، وبالدين حين يتحول إلى سلوك، وبالأخلاق حين تنتصر على شهوة المال. والميراث، في جوهره، ليس اختبارًا للورثة في الحساب فقط، بل اختبار لهم في الوفاء والعدل والخوف من الله وصيانة الرحم.
2026-05-24