الهجرة ومكانتها في اقتصاد الدول الغنية والفقيرة!
الطاهر المعز
يقدر عدد المهاجرين في العالم بنحو 280 مليون شخص يعيشون خارج بلدهم، وقدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد الضحايا الذين ماتوا في طريقهم إلى البلدان الغنية بنحو ثمانية آلاف سنة 2025، كما أشار تقرير الهجرة الدولية إلى أهمية مساهمة المهاجرين في تنمية اقتصاد البلدان الغنية وإلى أهمية المساهمات المالية لنحو 200 مليون مهاجر في اقتصاد بلدانهم الأصلية، وبلغت قيمة تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية 843 مليار دولار سنة 2022، ونحو 857 مليار دولار سنة 2024 ونحو 883 مليار دولار سنة 2025 ويتوقع معدوا التقرير وصول إجمالي التحويلات المالية للمهاجرين إلى 905 مليارات دولار سنة 2026، منها 685 مليار دولار تذهب إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وإلى أفراد أسرهم الذين يفوق عددهم 800 مليون فرد. وفيما يبلغ متوسط التحويلات المالية الفردية 250 دولارا أمريكيا فقط في الشهر، فإن هذه التدفقات مجتمعةً هي أكبر بثلاث مرات من المساعدة الإنمائية الرسمية العالمية ومن قيمة الإستثمارات الأجنبية المباشرة في البلدان الفقيرة…
على المستوى العربي، تراجعت تحويلات العمال المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية بنسبة 15% سنة 2023، وبلغت قيمتها 55 مليار دولار ومثلت مصدرا هاما للنقد الأجنبي، ويعود سبب الإنخفاض إلى تباطؤ التحويلات المالية الصادرة من الخليج وتراجع التدفقات إلى الأردن وتونس وسط ضعف النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بسبب ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم سنة 2023، وبلدان منطقة اليورو هي المصدر الرئيسي للتحويلات المالية للبلدان المغرب العربي والأردن، كما تأثر تدفق التحويلات المالية بتداعيات العدوان على فلسطينيي غزة، ولم يتجاوز متوسط التحويلات المالية إلى الجزائر نحو 1.8 مليار دولار سنويا على مدى العقد الماضي، ولكن وجود سوق موازية لسعر الصرف يمكن أن يقدم علاوة تتراوح بين 30% و40%، مما يشير إلى أن حجما كبيرا من التحويلات المالية قد يتم توجيهه من خلال قنوات غير رسمية، وفق البنك العالمي الذي يتوقع أن يرسل العمال المهاجرون في العالم أكثر من خمسة تريليونات دولارا إلى مجتمعاتهم الأصلية في البلدان المنخفضة الدخل سنة 2030، ويتوقع أن يتجه جزء كبير من هذه الأموال إلى المناطق الريفية حيث يجري إنفاقها على التعليم والرعاية الصحية وبعض المشاريع صغيرة الحجم، ويُشير الصندوق اللدولي للتنمية الزراعية إلى اعتماد حوالي مليار شخص حول العالم، أو واحد من كل ثمانية أشخاص، على التحويلات المالية للعمال المهاجرين، بينما يشير البنك العالمي إلى ارتفاع العمولات على تحويلات المهاجرين، مما يضطرهم إلى التحويل عبر السوق الموازية، ويُقدر متوسط تكاليف رسوم تحويل العملة بنحو 6,4 % من المبلغ المرسل، ومع ذلك ارتفعت تدفقات التحويلات المالية، منذ بداية القرن الواحد والعشرين خمسة أضعاف. رغم فترات الانكماش الاقتصادي والجائحات…
يرسل العمال المغتربون في المتوسط 200 إلى 300 دولار إلى أُسَر}هم كل شهر أو شهرين، مما يمثل 15% فقط من دخلهم، أما الباقي فينفغقونه في بلدان إقامتهم، لكن ما يرسلونه يشكّل نحو 60% من إجمالي دخل الأسرة في بلدانهم الأصلية خاصة في المناطق الريفية التي يُشكل سكانها نحو 75% من الفقراء الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي في العالم.
قدرت إحصائيات منظمة العمل الدولية عدد العمال العرب المغتربين بنحو 24 مليون عامل سنة 2019 و حوالي ثلاثين مليون سنة 2025 أو نحو 14,3% من مجموع العمال المهاجرين في العالم وتستخدم الأُسَر المتلقية للتحويلات نحو 75% من المبالغ لتوفير الطعام وتغطية النفقات الطبية أو الرسوم المدرسية أو نفقات السكن، في مناطق مُعرضة للأزمات ولخسائر المحاصيل. أما الدوَل فإن أكثر من 80 دولة بالعالم تعتمد على التحويلات المالية للمهاجرين في ما لا يقل عن 3% من ناتجها المحلي الإجمالي، فضلا عن مساهمة هذه التحويلات في استقرار أسعار الصرف ودعم الاحتياطي المالي في الدول المستقبلة، والمساهمة في مقاومة الفقر والجوع والمرض والأُمية…
أرسل المهاجرون إلى الهند، سنة 2024، نحو 129,1 مليار دولارا، عبر القنوات الرسمية وفق أرقام البنك العالمي، تليها المكسيك ب68,2 مليار دولارا، والصين ب48 مليار دولار والفلبين ب40,2 مليار دولار وباكستان ب33,2 مليار دولار وبنغلادش ب26,6 مليار دولار، وتأتي مصر – 106 ملايين نسمة – في طليعة البلدان العربية المتلقية لتحويلات العمال المهاجرين ب22,7 مليار دولار وغواتيملا ب21,6 مليار دولار ونيجيريا – أكبر دولة افريقية من حيث عدد السكان – ب19,8 مليار دولار وأوزبكستان ب16,6 مليار دولار، وبالنسبة للبلدان العربية – بالإضافة إلى مصر – تلقى المغرب 12 مليار دولارا ولبنان 5,8 مليارت دولار والأردن 4,8 مليارات دولار واليمن 3,8 مليارات دولار، وتونس 2,8 مليار دولار والجزائر 1,94 مليار دولار وقطر 1,94 مليار دولار والسودان مليار دولار والعراق 879 مليون دولار…
أما مَصْدَر التحويلات، سنة 2023، فكانت وفق بيانات البنك العالمي: الولايات المتحدة : 93 مليار دولار تليها الإمارات ب38,5 مليارات دولارا والسعودية ب38,4 مليار دولار وسويسرا ب37 مليار دولار وألمانيا ب21 مليار دولار والصين ب20,2 مليار دولار وفرنسا ب19,8 مليار دولار ولكسمبورغ ب18 مليار دولار وهولندا ب17 مليار دولار والكويت ب12,7 مليار دولار وقَطَر ب11,8 مليار دولار وعُمان ب9,4 مليار دولار والبحرين ب2,7 مليار دولار…
أدى إغلاق الحدود وتقييد المسارات القانونية والتضييق على المهاجرين إلى ارتفاع محاولات الهجرة غير النظامية، غير الآمنة وفق التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة التي لا تزال تلعب دورا محوريا في الاقتصاد العالمي، ويساهم المهاجرون في الاقتصاد العالمي كعمال ومستهلكين، ويساهمون في دفع النمو والوظائف والاستقرار والتماسك الاجتماعي، وفق المنظمة الدولية للهجرة التي قدرت العدد الإجمالي الحقيقي للمهاجرين في مختلف أنحاء العالم منتصف سنة 2024، بحوالي 304 ملايين مهاجر، أي حوالي 3,7% من سكان العالم.
ينعقد المنتدى الدولي للهجرة سنة 2026 – بمقر الأمم المتحدة في نيويورك من الخامس إلى الثامن من أيار/مايو 2026 – في ظروف اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء، واتساع رقعة الحروب والصراعات وتدهور البيئة، فلم تعد الهجرة مجرد “خيار فردي” يبحث من خلاله الإنسان عن فرصة أفضل، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لاختلال النظام الاقتصادي العالمي، ولسياسات تدفع ملايين البشر إلى مغادرة أوطانهم هرباً من الحروب والفقر والبطالة والجوع والعنف وانعدام الأمان الاجتماعي، وفق التقرير الذي أصدره الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC) يوم الرابع من أيار/مايو 2026، تحت عنوان:
“وضع حقوق العمال المهاجرين في صدارة المنتدى الدولي للهجرة 2026 – تضييق الفجوة بين الالتزامات والتنفيذ”، واعتبر التقرير إن العمال المهاجرين جزء أساسي من دَوْرَة الإنتاج العالمية، فهم يُشيدون المباني والطرقات وأشغال البُنية التحتية ويُساهمون في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات ورعاية المرضى وكبار السن والأطفال، ولكنهم من أكثر الفئات تعرضاً للاستغلال والعمل القسري والتمييز والحرمان من التنظيم النقابي،والتهديد الدائم بالترحيل، ويحصلون على رواتب ضعيفة، فالنظام العالمي القائم يستفيد من قوة عمل المهاجرين، لكنه يرفض مُساواتهم بزملائهم المَحَليين في الحقوق والحماية…
يعتبر التقرير إن الهجرة ليست “مشكلة أمنية”، بل نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية واجتماعية ظالمة، تتمثل في التفاوت الهائل في توزيع الثروة وانهيار الحماية الاجتماعية والتغير المناخي وصعود اليمين المتطرف، فعندما يأمر الدائنون بخصخصة المرافق العامة وخفض قيمة العملات المحلية وتجميد التوظيف، ترتفع معدلات الفقر وتنخفض القيمة الحقيقية للرواتب، فضلا عن الحروب والجفاف والفيضانات، تصبح الهجرة وسيلة للبقاء على قيد الحياة، فهي هجرة قسرية، تستغلها البلدان الرأسمالية المتطورة – وكذلك مشيخات الخليج – لإرساء نوع من العبودية المعاصرة التي تُبقي العمال المهاجرين تحت تهديد عدم تجديد الإقامة والتهديد المستمر بالترحيل، وإقرار قوانين تمنع لمّ شمل العائلات والحصول على إقامة مستقرة وآمنة، لأن العامل الذي يعيش تحت التهديد لا يستطيع الدفاع عن حقوقه، وأشار تقرير الإتحاد الدولي للنقابات إلى اضطرار الكثير من العمال المهاجرين إلى دفع رُسُوم توظيف قد تعادل أجور 18 شهراً كاملاً فقط للحصول على فرصة عمل، مما يجعلهم يبدأون رحلتهم العملية وهم غارقون في الديون، وفريسة سهلة لأصحاب العمل الذين يجبرونهم على العمل القسري، ويمارسون الإبتزاز والاتجار بالبشر وسرقة الأجور و استخدام الأوضاع القانونية الهشة للعمال المهاجرين – في كوريا الجنوبية والفلبين وألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا ومشيخات الخليج – بهدف إسكاتهم ومنعهم من الدفاع عن حقوقهم ومن الإنضمام للنقابات التي يُطالب بعضها بتنظيم العمال المهاجرين وتوفير الحماية القانونية لهم ومكافحة الظواهر العنصرية، والى بناء تضامن طبقي عابر للحدود، لأن رأس المال يستخدم العمالة المهاجرة منخفضة الحقوق للضغط على أجور وحقوق جميع العمال وقَضم حقوق الطبقة العاملة كلها، ويستخدم أرباب العمل وأحزاب اليمين -المعتدل- والمتطرف موضوع الهجرة كأداة سياسية واقتصادية لتقسيم الطبقة العاملة ونشر العنصرية، ونشر كراهية الأجانب، خصوصًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يتم تحويل غضب الناس بسبب البطالة ونقص السكن اللائق والرعاية الصحية واكتظاظ فصول التعليم العام وتدهور الخدمات الإجتماعية، وتوجيه هذا الغضب ضد جزء من الطبقة العاملة، أي العُمال المهاجرين، فيما ترتفع ثروة الأثرياء وأرباح الشركات الكبرى…
تقاعست معظم نقابات الدول الرأسمالية المتطورة وأهملت مطالب المُساواة بين جميع العاملين ولذلك يجهل معظم العُمال المحليين معاناة رفاقهم المهاجرين جراء العمل القسري وغياب الحماية الاجتماعية، ورسوم التوظيف، وأسباب الهجرة… كما قَصرت النقابات وحركات اليسار في توضيح ارتباط قضايا حقوق العمال المهاجرين بقضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
2026-05-18