من درر فارس الغلب!
اضحوي جفال محمد*
لا أظنكم تخالفوني صواب الرأي أن احداث طفولتنا قابلة للنسيان. ذلك عندما زارني شريط ذاكرتي البعيدة الى حيث زرافات السائحين بشعرهم الطويل دون اعتناء، سيقانهم العارية، عيونهم التي لم يكن بيننا من لا يرغب في إضافة مثيلاتها الى علبة كراته الزجاجية. ضحكت في سري وانا اتذكر ما جرى لسائحَين رافقتهما. كانا فتى وفتاة دعاني الدليل السياحي الى مرافقتهما للحصول على حليب طازج لكلبهما القزم ذي السلسلة الطويلة. ولما كانت مضارب البدو في متناول رؤيتنا، وناقتي في سكون مرتعها، امتطيت سيارتهما المكشوفة ذات المقعدين، تحديداََ بين الجليسين ورحت أصارع تياراََ من النسيم أفشى اريج ازاهر الربيع وكاد ان يطيح بي لولا دعاء عمتي بالسلامة. توقفت سيارتنا عند اول بيت من المضارب وسط ثورة رؤوس الكلاب الكبيرة، وهبّت شابة هيفاء لنجدتنا. حيتنا باستغراب حيي ينع فوق ملاحة وجهها الريان. بادرتها:
_ عروسان يبغيان حليباََ للكلب. شهقت:
_ للكلب ؟!
بضعة رجال جلبهم الفضول إلتحقوا بمجلسنا. عادت الفتاة بالحليب واقتادت الرجل الى قاطع الحريم. قالت لدهشته:
_ عيب على النساء مجالسة الرجال. صحت بها:
_ هو العريس يا خالة !
صرخت خجلاََ ونفضت يده بعنف، وجرت مسرعة الى قاع بيتها. نبت هو في دائرة من الحيرة، نظر إليّ فوجدني أعجز من أن أفسر له الامر . حقاََ كان مظهره يوهم الناظر بأنه امرأة! شعره تدلى حتى حزامه، وجهه المرمري بلا شعرة واحدة تضعه في صف الرجال، شفاهه مصطبغة بحمرة ربانية، عنقه الأملس وارى تفاحة آدم، فيما هي شقراء نحيلة ضاعت في سروال واسع، وكشفت قصة شعرها القصير جمال انفها الدقيق، وحسن عينين رماديتين تخسران لونهما في مشاكسة الشمس. كان الرجال من المضارب يتبحرون في الاجساد الغريبة ليقفوا على الفارق بين الدمى والبشر . ودّعتنا الفتاة بابتسامة من أدى شرف الضيافة. همست لي:
_ الآن عليّ غسل الماعون سبع مرات .
(بقلم الراحل فارس الغلب)
2026-04-19