صغير الطف!
رقية الدراجي
في واقعة الطف يوم احتشدت قوى الظلم لتطويق نور الحق، تقدمت الأرواح الطاهرة تتسابق إلى ميادين التضحية، كل جسد منها يحمل رسالة ويقف بوجه بؤرة الفساد والاستكبار، هناك حيث كانت السيوف مشرعة لم يكن الحضور مقتصراً على الرجال، بل كان في ذلك الميدان قلبٌ صغير، وروحٌ طاهرة لم تبلغ من العمر إلا ستة أشهر
إنه عبد الله الرضيع ذلك الطفل الذي لم يعرف من الدنيا سوى دفء صدر أبيه، ولم يذق من الحياة سوى لحظاتها الأولى، لكنه كُتب له أن يكون شاهداً على أعظم مأساة عرفها التاريخ.
حمله أبوه الإمام الحسين عليه السلام بين يديه، لا ليقاتل بسيف، ولا ليزاحم الرجال في ساحة الحرب، بل ليقول للعالم كلمة الحق الأخيرة: إن كنتم ترونني مذنباً، فما ذنب هذا الرضيع؟ إن كنتم تمنعون الماء عني، فما جناية هذا الطفل الذي يابسَت شفتاه من العطش؟
كانت لحظة تقف فيها الإنسانية على حافة الاختبار، طفلٌ صغير يرفرف بين يدي أبيه، وسماء كربلاء تترقب ما سيصنعه القوم، لكن القلوب التي تحجّرت لم تعرف للرحمة طريقاً، والعيون التي أظلمها الحقد لم تبصر براءة ذلك الرضيع.
فانطلق السهم… لا ليمزق جسد طفل فحسب، بل ليمزق التاريخ كله.
سقط عبد الله الرضيع بين يدي أبيه، و لم يكن دمه مجرد دم طفلٍ عطشان
أي قلبٍ يتحمل أن يرى رضيعاً يُذبح قبل أن يتعلم الكلام؟
وأي تاريخٍ يستطيع أن يطوي صفحة طفلٍ قُتل لأنه وُلد في خيمة الإمام الحسين؟
لقد قدم عبد الله الرضيع جسده الصغير قرباناً، لا ليبقى اسمه في كتب المآسي فحسب، بل ليبقى ضمير الأحرار حياً
لقد أعطى جسده الصغير… لكي نبقى أحياء الضمير،
وأراق دمه الطاهر… لكي لا يموت الحق في قلوبنا،
فصار الرضيع، رغم صغر سنه، من أعظم شهداء الطف، بل من أوجعهم ذكراً، لأن مظلوميته لا تحتاج إلى شرح؛ يكفي أن يُقال: طفلٌ في السادسة أشهرٌ من عمره… قُتل عطشاناً بين يدي أبيه.
2026-04-14