إعلان ترامب.. مناورة أم بحث عن مخرج؟
سعود قبيلات
أعلن دونالد ترامب، أخيراً، تأجيل تنفيذ تهديده بتدمير البنية التَّحتيَّة لإيران خمسة أيَّام؛ فعل ذلك قبل نحو عشرين ساعة من انتهاء المهلة الَّتي كان قد حدَّدها سابقاً.
ومن الجليّ أنَّ هذا التَّراجع جاء عقب تلويح إيران بردٍّ ساحقٍ وشامل ستقوم به في حال نفَّذ ترامب تهديده. وقد اكتسب الوعيد الإيرانيّ صدقيَّةً عالية؛ لأنَّ طهران أثبتت خلال الأسابيع الماضية التزامها الصَّارم بتنفيذ ما تعلنه، بل ومضيِّها أحياناً إلى ما هو أبعد منه.
ومن اللافت، في إعلان ترامب، كلامه عن صياغة «حلٍّ شامل وكامل لكلّ الأعمال العدائيَّة»، متجاوزاً كلامه السَّابق المتكرِّر عن وقف إطلاق النَّار فقط. وهذا، تحديداً، ما كانت إيران تشترطه طوال هذه الحرب؛ حيث أكَّدت، مراراً، رفضها لأيّ تسوياتٍ جزئيَّة أو وقفٍ مؤقَّت للقتال، وتمسّكها بالحلِّ الشَّامل. كما أنَّ استخدام ترامب لتعبير «الأعمال العدائيَّة» يحمل دلالاتٍ أوسع من الأعمال الحربيَّة، ما يفتح الباب أمام قراءاتٍ سياسيَّة تتجاوز مجرَّد إسكات المدافع.
وفي محاولةٍ منه لتبرير هذا التَّراجع، عزا ترامب قراره إلى وجود مفاوضاتٍ إيجابيَّة جرت خلال الأيَّام الماضية؛ إلَّا أنَّ طهران سارعت إلى نفي ذلك جملةً وتفصيلاً، مؤكدةً أنَّه لم تجرِ، بينها وبين الولايات المتَّحدة، أيُّ مفاوضات، لا مباشرة ولا غير مباشرة؛ بل إنَّها أعادت، في وقتٍ لاحق، تحذيرها للمعتدين مِنْ أنَّها لن تتهاون مع أيّ محاولة لاستهداف بنيتها التَّحتيَّة.
لقد أظهرت إيران، خلال هذه الحرب، قدرةً فائقة، لا في الميدان العسكريّ حسب، بل في إدارة الصِّراع أيضاً؛ إذ أنَّها انتقلت ببراعةٍ مِنْ موقع ردِّ الفعل إلى موقع الفعل، ونجحت في استدراج خصومها إلى ملعبها وفرضت قواعد اشتباكها الخاصَّة.
فبعد العدوان الأميركيّ «الإسرائيليّ» المشترك عليها، جاء ردُّها سريعاً؛ لكنَّها لم تمكث طويلاً في نطاق ردّ الفعل؛ بل سرعان ما انتقلت إلى الفعل؛ فضربت القواعد الأميركيَّة في المنطقة وألحقت بها دماراً كبيراً. وفي السِّياق ذاته، أحكمت سيطرتها على مضيق هرمز، ومنعت السُّفن المرتبطة بالمعتدين أو الدَّاعمين لهم من المرور عبره، لتتحوَّل قضيَّة المضيق إلى أزمةٍ دوليَّة.
وبينما تبدو التَّحرُّكات الإيرانيَّة مستندةً إلى خططٍ مسبقة ومدروسة لمواجهة سيناريو العدوان عليها، وقع المعتدون في شراك سوء تقديرهم؛ إذ أنَّهم راهنوا على نجاحٍ خاطفٍ لما سُمِّي بخطَّة «قطع الرَّأس» الَّتي استهدفت القيادة لإسقاط النِّظام وإخضاع البلاد. لكن، مع الإخفاق التَّامّ لهذه الخطَّة، لم يبقَ أمامهم سوى التَّدمير ومواصلة التَّدمير، بلا أفقٍ واضح، بالتَّوازي مع البحث عن مخرجٍ يخفِّف كلفة المأزق الَّذي أوقعوا أنفسهم فيه.
فهل يكون إعلان ترامب، هذا، محاولة لإيجاد مخرج له بأقلِّ الخسائر السِّياسيَّة؟
أم هو مجرَّد مخرجٍ مؤقَّتٍ من أزمة ارتفاع أسعار الطَّاقة الَّتي انخفضت بمجرَّد نشر هذا الإعلان؟
أم هو محاولة للخداع وكسب الوقت، ثمّ يضرب ضربته؟
هذا ما ستكشفه الأيَّام القليلة القادمة؛ لكن، في كُلِّ الأحوال، يبقَ أنَّ ترامب لم يجد له مخرجاً إلَّا بإصدار مثل هذا الإعلان.
ختاماً، مجمل التَّطوُّرات يؤكِّد يوميَّاً ما سبق أنْ تحدَّثنا عنه مِنْ أنَّ هذه الحرب لن تنتهي إلَّا وقد أحدثت تحوَّلاً كبيراً، تحوُّلاً تاريخيَّاً، سيشمل المنطقة والعالم بأسره.
2026-03-24