معن بشور.. حين يمتحن المشروع العربى بين بيروت ونداء القاهرة (2 – 3)!
إلهامى المليجى*
ليس صعبًا أن تؤمن بفكرةٍ وهى تتقدم.
الصعب أن تبقى وفيًا لها وهى تتراجع.
بعد أن استعدنا فى الجزء الأول مشهد اللقاء وذاكرة الحصار، يصبح السؤال هنا أعمق: ماذا يفعل رجل الفكرة حين تبدأ الفكرة نفسها فى الانحسار؟ حين تتآكل المساحات المشتركة، ويتحول المشروع العربى من أفقٍ جامع إلى خرائط متجاورة، ومن حلم وحدة إلى إدارة أزمات؟
فى تسعينيات القرن الماضى، لم يكن الانكسار عسكريًا فقط، بل بنيويًا.
تفكك النظام العربى بعد حرب الخليج، ثم جاء الاحتلال الأمريكى للعراق ليعيد صياغة الإقليم خارج إرادته، وتوالت التحولات التى نقلت الصراع من مواجهة واضحة إلى تشظٍّ داخلى طويل النفس. لم يعد السؤال: كيف ننتصر؟ بل: كيف نمنع الانهيار الكامل؟
فى تلك اللحظة، لم يكن امتحان معن بشور سياسيًا فحسب، بل وجوديًا.
هل يخفّف سقف الفكرة ليتكيّف مع ميزان قوى مختل؟
هل يعيد تعريف العروبة بوصفها ثقافة عامة بلا مضمون سياسي؟
أم يبقى على خطه، ولو بدا الخط وحيدًا؟
الثبات، فى مثل هذه الأزمنة، ليس عنادًا.
هو خيارٌ واعٍ بمخاطر العزلة، ومدرك لكلفة الموقف.
كان يمكن للعروبة أن تتحول إلى نوستالجيا خطابية، تُستدعى فى المناسبات وتُطوى فى السياسات اليومية. وكان يمكن للمقاومة أن تصبح بندًا تفاوضيًا فى معادلات إقليمية. وكان يمكن لمصر أن تُختزل فى وزنها السكانى، لا فى دورها الإستراتيجي.
لكن معن بشور اختار طريقًا أكثر صعوبة: أن يبقى داخل الفكرة لا فوقها، وأن يقرأ التحولات لا ليذوب فيها، بل ليختبرها بمعيارٍ واحد: هل تخدم استقلال القرار العربى أم تعمّق التبعية؟
الجزء الثانى، إذن، ليس عن سيرة رجل فحسب، بل عن اختبار مشروع.
عن مرحلةٍ كان فيها التفكك يتقدم بخطوات واثقة، فيما كان بعض الرجال يحاولون أن يمنعوا سقوط المعنى قبل سقوط الخرائط.
بيروت تهتف.. سلامًا يا قاهرة المعز
تكررت لقاءاتى به كلما زرت بيروت.
لكل لقاء قصته، ولكل جلسة نكهتها الخاصة بين السياسة والذاكرة. كانت لقاءاتنا تتوزع بين مكتبه وبيته، حيث الكرم الواسع والدفء الإنسانى، وحيث تتحول مائدة الغداء أو العشاء إلى منتدى عروبى مصغّر، يحضره سياسيون ومثقفون من سوريا أو العراق أو فلسطين أو غيرها من الأقطار العربية. كان البيت امتدادًا للموقف، لا فضاءً خاصًا معزولًا.
غير أن اللقاء الذى ظل محفورًا فى ذاكرتى، كان فى أواخر عام 2017، فى الأيام الأولى من ديسمبر تحديدًا.
كنت فى بيروت حين علم بوجودي. لم تكن دعوة عادية، بل طلب واضح بالحضور إلى “دار الندوة” فى وسط بيروت، حيث يُعقد لقاء تضامنى واسع مع مصر فى مواجهة الإرهاب، عقب العملية الوحشية التى استهدفت مسجد الروضة فى العريش، التى شكّلت واحدة من أكثر اللحظات إيلامًا فى مسار الإرهاب الذى كان يستهدف مصر آنذاك.
ذهبت فى الموعد المحدد، وما إن دخلت دار الندوة حتى بدا المشهد أكبر من مجرد فاعلية تضامنية. القاعة مكتظة، أكثر من سبعين شخصية وممثل هيئة لبنانية وفلسطينية وعربية. لم يكن الحضور شكليًا، بل سياسى وثقافى ووطنى بمعناه العميق.
كان اللقاء بدعوة مشتركة من «دار الندوة» و«المنتدى القومى العربى»، لكنه حمل طابعًا جامعًا يتجاوز الإطارين. حضرت كلمات ورسائل من شخصيات عربية بارزة، بينها رسالة من أمين عام المؤتمر القومى العربى د. زياد حافظ، وأخرى من منسق عام المؤتمر القومى الإسلامى خالد السفيانى، ومن أمين عام مؤتمر الأحزاب العربية قاسم صالح.
افتتح الوزير اللبنانى السابق بشارة مرهج اللقاء باسم “دار الندوة”، بكلمة لم تكن بروتوكولية، قال إن أهم ما فى هذا اللقاء، أنه لقاء الخير والتضامن والمؤازرة المعنوية والسياسية لمصر وقيادتها وشعبها. تحدث عن مصر التى رسم لها القدر، منذ فجر التاريخ، دور القيادة والريادة فى الدفاع عن المنطقة العربية، التى تتعرض لغزوات متتالية بأشكال مختلفة، نظرًا لموقعها الإستراتيجى وإمكاناتها وثرواتها.
ولم يتردد فى القول: إن القوى المتطرفة المتعصبة، التى تتوسل الاغتيال والإبادة الجماعية، إنما تستهدف مصر، لأنها تسعى للنهوض والاضطلاع بدورها الكامل فى نطاقها العربى ومحيطها الإسلامى وقارتها الإفريقية.
كان الحضور الفلسطينى واللبنانى لافتًا للنظر، كما كان حضور وفد السفارة المصرية فى بيروت، على رأسه السفير نزيه النجارى، الذى ألقى كلمة قوية ومؤثرة. تحدث السفير عن الدفء الذى شعر به فى لبنان منذ حادثة مسجد الروضة، واعتبر أن هذا التضامن يمنح مصر قوة إضافية، فى مواجهة الوحشية المستشرية فى المنطقة بأسرها، وأكد أن الدور المصرى الإقليمى مستهدف، وأن استهداف مسجد الروضة، لا ينفصل عن محاولة إضعاف هذه العودة المصرية إلى الساحة العربية.
لكن ما أعطى اللقاء ثقله السياسى الحقيقى، كان «إعلان بيروت للتضامن مع مصر ومواجهة الإرهاب»، الذى قدم وأقر بالإجماع فى ختام اللقاء، الإعلان الذى صاغه وطرحه معن بشور لم يكن بيانًا إنشائيًا، بل وثيقة سياسية واضحة.
جاء فيه أن العملية الإرهابية الوحشية التى استهدفت المصلين فى مسجد الروضة، وأدت إلى استشهاد أكثر من ثلاثمائة مواطن بينهم أطفال، تأتى فى إطار استهداف مصر بكل ما تمثله من قيم وحضارة ودور قومى، واستمرارًا للحرب الإرهابية التى استهدفت ولا تزال، أقطارًا عربية رئيسية عديدة بهدف تمزيق مجتمعاتها وتدمير شعوبها وتحطيم جيوشها، وفرض الهيمنة الاستعمارية والصهيونية عليها.
لم يكن النص حادًا بدافع الانفعال، بل بدافع الرؤية.
كان يربط بين الإرهاب واستهداف الدولة الوطنية، وبين الفوضى والهيمنة، وبين ضرب مصر ومحاولة إعادة صياغة الإقليم خارج إرادته.
فى تلك الأمسية، لم يكن معن بشور متحدثًا فقط، بل مهندس اللحظة، هو الذى حرّك الخيوط، وجمع الأطراف، وصاغ البيان، وحوّل الحزن إلى موقف سياسى جامع.
«بيروت تهتف: سلامًا يا قاهرة المعز» لم تكن عبارة عاطفية. كانت ترجمة مكثفة لمشهد مدينة تعرف معنى الحصار، تقف لتقول: إن استهداف مصر ليس شأنًا داخليًا، بل مساسً بجسد عربى واحد.
خرجتُ من دار الندوة تلك الليلة، وأنا أدرك أن ثبات معن بشور لم يكن تمسكًا بشعار قديم، بل قراءة مستمرة لمعنى التوازن العربي. كان يرى أن صمود مصر ليس ملفًا مصريًا فقط، بل ركيزة فى معادلة الإقليم كله. وأن الدفاع عنها فى مواجهة الإرهاب، دفاع عن الفكرة التى حملها منذ سبعينيات بيروت: فكرة أن المشروع العربى قد يتعثر، لكنه لا يسقط ما دام هناك من يحرس معناه.
من بيروت إلى القاهرة… الدائرة التى لم تُغلق
بين حصار بيروت عام 1982، ودار الندوة فى ديسمبر 2017، مسافة زمنية طويلة… لكن الخيط لم ينقطع.
فى الأولى، كانت المدينة تختبر قدرتها على الصمود تحت النار.
وفى الثانية، كانت تعلن أن استهداف مصر ليس شأنًا مصريًا، بل مساسً بتوازن المنطقة كلها.
فى كلا المشهدين، كان معن بشور حاضرًا بالموقف ذاته: الدفاع عن الفكرة حين تحاصر، وعن مصر حين تستهدف، وعن المقاومة حين تحاصَر سياسيًا وثقافيًا، قبل أن تُحاصَر عسكريًا.
غير أن العلاقة بينه وبين القاهرة لم تكن مجرد موقف تضامنى عابر.
كانت امتدادًا لرؤية أعمق ترى فى مصر حجر الزاوية لأى إعادة بناء عربى.
الخاتمة
وهنا تبدأ دائرة أخرى…
لقاء فى القاهرة، فى ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، حيث يعود السؤال القديم بثوب جديد:
هل ما زال المشروع العربى قادرًا على أن يجد مركزه من جديد؟
ذلك هو المشهد الثالث… والأخير.
الاهرام العربي
يتبع
2026-03-14