حين سقط البيت ولم تسقط الأم!
بقلم: رفيدة عطايا
في قلب غزة، حيث البيوت تحوّلت إلى رماد، والذكريات ضاعت بين الركام، لا يُختبر الجسد وحده… بل تُختبر الروح أيضًا. هناك، بين القصف والنزوح، في بيت حانون، تقف أمٌّ ومعالجة نفسية وناجية من تحت الركام، امرأة لم تحمل ألمها فقط، بل حملت خوف بناتها أيضًا، وحاولت أن تعالج أرواحهن حينما كانت مدينتها تنزف. في مدينةٍ صار فيها الاستيقاظ على قيد الحياة إنجازًا بحد ذاته، وجدت لينا الزعانين نفسها مطالَبةً بأن تكون أمًّا، ودرعًا نفسيًّا، وملاذًا أخيرًا لبناتها في آنٍ واحد. أطفال فقدوا عالمهم، وأُسر ذابت بين القصف والجوع، ونساء حملن عبء النجاة في كل خطوة… غير أن لينا لم تكن شاهدة على الألم فحسب، بل كانت تحاول أن تكون الحاجز الأخير بين بناتها والانكسار.
وفي وسط كل هذا الدمار، تمسكت لينا بفكرة واحدة: أن الإنسان قد يُدفن تحت الركام، لكن يجب ألا يُدفن في داخله الأمل. وهنا، تأتي كلماتها التي تلخص المعاناة والإيمان بالحياة: “ممكن تنامي وتفيقي تلاقي كل غزة ماتت، وانتِ البذرة الوحيدة يلي برا حترجع ع غزة وتحييها”.
من تحت الركام… حكايات وذكريات
تروي لينا تفاصيل اللحظات الأولى التي انهار فيها بيتها فوق رأسها ورأس بناتها: “القصف بدأ فجأة، وكل شيء حولنا انهار، وصرنا تحت الركام مباشرة. كنت أصرخ وأحاول أن أرفع الحطام عن بناتي، وأحاول ألا أستسلم وسط الدماء والأشلاء. كل شيء كان مغطى بالغبار والدخان، ورائحة الموت تملأ المكان، ولم أكن أعرف من بقي حيًّا ومن فقدناه”.
وتستمر في وصف لحظة إصابة بناتها وإصابتها: “أصيبت بناتي، وأنا أصبت في ظهري أثناء محاولتي إخراجهن من تحت الركام. الألم كان لا يوصف، وكانت أصوات الصراخ تعلو، والركام حولنا يحيط بنا من كل جانب. لم أكن أرى سوى الدم والحطام، وكل ثانية كانت حياة أو موتًا”.
في لحظة فاصلة، ظهر رجل لا تعرفه وقام بمساعدتهن، تقول لينا: “هذا الرجل أخذ إحدى بناتي، وقال لي: هاي بأمانتي. كان أول مرة، أو ربما الثانية، أرى شخصًا يقدم لنا هذه المساعدة وسط الفوضى. بفضله وصلت ابنتي إلى المستشفى، وبدأ الأطباء بمعالجتها، بينما كنت أركض خلفها لأطمئن أنها بخير”.
بعد ذلك، نزحت لينا وبناتها إلى بيت أختها، حيث تصف هذه التجربة بقولها: “ظننا أننا وجدنا ملاذًا آمنًا، لكن بعد أيام قليلة تعرض البيت مجددًا للقصف، وانهار فوقنا مرة أخرى. لم يكن أمامنا خيار سوى الخروج والبحث عن مأوى في الشوارع والمدارس، حيث أمضينا أول ليلة في مدرسة الزهراء، مع البرد والخوف”.
وتتحدث لينا عن الصعوبات اليومية خلال النزوح: “لم يكن هناك ماء ولا كهرباء ولا غاز، وكل شيء كان يعتمد على ما نستطيع إيجاده. كنا نقسم الطعام والماء المتاح بيننا، نبحث عن الحطب، ونحاول تأمين قوت أولادنا بأية طريقة ممكنة. البنات كنّ يتحملن كل شيء، أحيانًا يسرن لمسافات طويلة في الشوارع بحثًا عن أي شيء يضمن بقاءنا على قيد الحياة”.
وتختتم لينا وصف المرحلة الصعبة بالجانب النفسي قائلة: “المعاناة كانت كبيرة جدًا، المشاهد التي عشناها لا يمكن وصفها بالكلمات. فقدان الذكريات، فقدان البيت، الخوف المستمر من الموت، كل هذا كان يثقل علينا كل يوم. ومع ذلك، حاولت أن أبقي نفسيتي ونفسيات بناتي قوية، وألا أسمح لليأس أن يسيطر علينا، لأن البقاء على قيد الحياة كان أصعب من أي قصف أو فقدان”.
النزوح والمعاناة اليومية
تروي لينا كيف تحولت حياتها وحياة بناتها إلى سلسلة من الصعوبات اليومية بعد نزوحهن: “كنا ننتقل من مكان إلى آخر بحثًا عن ملاذ آمن. النوم على الأرض كان أمرًا معتادًا، نستخدم بطانيات رقيقة لتغطية أجسادنا الباردة، وأحيانًا لا نستطيع النوم بسبب الخوف والبرد والجوع. البنات كنّ يتحملن كل شيء، وأنا أحاول أن أحميهن من الرعب الذي يحيط بنا”.
وتتابع وصف تحديات تأمين الطعام والماء: “كنا نعتمد على ما يمكننا إيجاده. أية قطعة طعام كانت تساوي حياة، كنا نقسم رغيف خبز أو علبة فول بيننا قطعة قطعة، كل واحدة لإحدى البنات، ونحن نحاول أن نطيل قدر الإمكان وجود الطعام بين أيدينا. الماء كان أثمن شيء، نقطع مسافات طويلة لنملأ عبوات صغيرة، وأحيانًا نصمد يومين أو ثلاثة بلا ماء”.
أما الطاقة والكهرباء، فكانت مصدر تحدٍّ آخر: “لم يكن هناك كهرباء، وكل شيء يعتمد على الطاقة الشمسية، أو المولدات القليلة التي وصلت إلى المنطقة. كنا نشحن البطاريات، ونحاول تشغيل الهواتف لنبقى على اتصال بالعالم الخارجي. أحيانًا نصنع أفرانًا صغيرة من الطين أو الطابون، نبحث عن أية فرصة لنخبز أو نطبخ، كل شيء أصبح معركة للبقاء”.
وتروي لينا أثر النزوح على نفسيات بناتها: “البنات كبرن بسرعة، حملن على عاتقهن مسؤولية البقاء. كنّ يجلسن على الرصيف، يحاولن العثور على الحطب والطعام والماء، وكل لحظة كانت اختبارًا لصبرنا وقوتنا. الصعوبات لم تكن جسدية فحسب، بل كانت نفسية. كل يوم كنا نعيش فيه القلق والخوف من القصف، والخوف على من فقدناهم، والخوف من أن نفقد من تبقى منا”.
وتختم لينا هذه المرحلة بتأكيد إرادة الصمود: “على الرغم من كل الصعوبات، حاولنا ألا نستسلم. كل يوم كنا نكتشف قوتنا، كل لحظة من النجاة كانت درسًا لنا لنواصل الحياة. رغم النزوح والبرد والجوع والخوف، عزيمتنا لم تنهر، كنا نتمسك بالأمل حتى في أصعب اللحظات، لأن الاستسلام لم يكن خيارًا”.
الأم المعالِجة تحت النار
تقول لينا: “إن أقسى ما واجهته، لم يكن القصف أو النزوح فقط، بل الخوف الذي تسلل إلى عيون بناتي. أنا معالجة نفسية، وكنت أعرف تمامًا ماذا يفعل الرعب بأرواح الأطفال. كنت أرى الصدمة تتشكل أمامي: نظرات شاردة، صمت طويل، استيقاظ مفاجئ من النوم، تعلق بي بطريقة مختلفة، وكأنهن يخشين أن أختفي فجأة”.
وتضيف: “كنت أحاول أن أكون أمًّا ومُعالِجةً في الوقت نفسه. كل ليلة، رغم البرد والخوف، كنت أجمعهن حولي، وأطلب منهن أن يتحدثن عمّا يخيفهن. كنا نسمّي مشاعرنا بصوت عالٍ: هذا خوف، هذه صدمة، هذا حزن… كنت أعلمهن أن البكاء ليس ضعفًا، وأن الرجفة في الجسد ليست عيبًا، بل ردة فعل طبيعية لما نعيشه”.
وتتابع لينا: “كنت أبتكر لهن طقوسًا صغيرة للحياة وسط الموت. نعدّ النجوم إن ظهرت، نرسم على التراب، نحكي قصصًا عن بيتنا كما كان؛ عن غرفهن، عن ألعابهن… كنت أطلب منهن أن يتخيلن مستقبلهن، أن يتحدثن عنه وكأنه حقيقي وقريب. كنت أقاتل لأحمي عقولهن من الانهيار، لأنني أعلم أن الجسد يلتئم أسرع من الروح”.
لكن اللحظة التي كسرت شيئًا في داخلها، كانت عندما أُرسلت لها صور لأسماء بناتها مكتوبة على جدار بيتها بخط جنود الاحتلال يهددونهن بالموت. تقول بصوت مثقل: “عندما رأيت أسماءهن على الجدار، شعرت أن الخوف أصبح شخصيًّا جدًّا. لم يعد القصف عشوائيًّا في عقولهن، بل صار اسمهنّ مكتوبًا أمامهن. بناتي سألنني: لماذا كتبوا أسماءنا على ما تبقى من حيطان بيتنا المقصوف؟ هل يعرفوننا؟ هل سيعودون؟”.
وتضيف: “تلك الليلة كانت الأصعب. شعرت أن الأمان النفسي الذي كنت أبنيه لهن يتهشم. احتضنتهن طويلاً، وقلت لهن إن كتابة أسمائكن ليست قوة للعدو، بل دليل على خوفهم منا. قلت لهن إن الاسم المكتوب على الجدار لا يعني أننا مستهدفات، بل يعني أننا موجودات، وأن وجودنا يزعجهم”.
وتؤكد لينا: “حوّلتُ تلك الحادثة إلى درس لهن. قلت لهن إن أسماءكن ليست للترهيب، بل هي هوية. والهوية لا تُمحى بطلاء جدار، ولا بقصف بيت. كنت أعلم أن الصدمة عميقة، لكنني رفضت أن أتركها تتحول إلى خوف دائم. علمتهن أن يواجهن الفكرة، بدل أن يهربن منها”.
وتختم لينا هذه المرحلة بوعي مؤلم: “أنا لم أكن أبحث عن ماء وطعام فقط، كنت أبحث عن توازن نفسي لبناتي. كنت أحارب لأحمي عقولهن من الانكسار، لأن الاحتلال لا يريد أن يهدم بيوتنا فحسب، بل يريد أن يهدم إحساسنا بالأمان. وأنا قررت أن أكون السدّ الأول بوجه هذا الانهيار”.
وبعد رحلة نزوح طويلة بين القصف والمدارس والبيوت المهدمة، وجدت لينا نفسها أمام قرار صعب: الخروج من غزة حفاظًا على بناتها. حيث تقول: “إن المغادرة لم تكن هروبًا، بل محاولة أخيرة لحماية ما تبقى من طفولة بناتي”. عبرت إلى مصر، وهي تشعر لأول مرة أنها ترفض مغادرة غزة، ولكنها مجبرة على الخروج، تاركة خلفها أرضها وأهلها وذكرياتها… وهي تحمل معها جراحًا لم تلتئم بعد، وذاكرة مثقلة بصور الركام والدمار.
في مصر، بدأت رحلة جديدة؛ رحلة علاج جسدي ونفسي، ومحاولة استعادة بعض من الإحساس بالأمان. لم يكن الابتعاد عن غزة أمرًا سهلاً عليها، فالقلب ظل هناك، لقد فقدت أباها وثلاثة من إخوتها، وهي بعيدة عنهم، ولم تتمكن من إلقاء نظرة الوداع عليهم.
وعلى الرغم من أن وجودها خارج دائرة القصف منح بناتها مساحة لالتقاط أنفاسهن، إلا أنها تؤكد على أن خروجها لم يكن نهاية القصة، بل هو امتداد لمسؤوليتها كأمٍّ تحاول أن تعيد ترميم أرواح بناتها، كما تُرمَّم البيوت.
بين الركام والدمار، لم تكن لينا تحكي عن قصة بيتٍ تهدّم فقط، بل عن مدينة تُختبر في كل يوم، وعن أمٍّ لم تسمح للحرب أن تدخل إلى عقول بناتها، كما دخلت إلى جدران بيتها. غزة بالنسبة إليها ليست مكانًا فحسب، بل هي ذاكرة وهوية، ومستقبل يجب أن يُحمى مهما كان الثمن.
وفي ختام حديثها، وجهت لينا رسالة صمود لا تُنسى: “رسالتي للمقاومة ولكل أهل غزة، أن استمروا، ولا تستسلموا، ولا تسمحوا للدمار أن يكسركم. فكل محاولة لإحباطنا زادتنا قوة، وكل حرب إبادة لم تُضعفنا، بل ضاعفت إصرارنا على الحياة. نحن هنا لنصمد ونبني، لنجعل غزة رمزًا للحرية والصمود”.
27/2/2026