ميونيخ 2026:
مرغمة، أوروبا تعيد تعريف التحالف مع واشنطن
عكست مداولات مؤتمر الأمن في ميونيخ تغييراً جذريّاً في العقيدة الأمنية الأوروبية، وتحول القلق من “تذبذب” المواقف الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب إلى محرك لسياسات دفاعية مستقلة، ومساعٍ حثيثة لبناء “مظلة نووية” أوروبية، وسط الجدل حول ملفات شائكة تمتد من أوكرانيا إلى غرينلاند
سعيد محمد*
في قاعات فندق “بايريشر هوف” العتيق بميونيخ جنوبي ألمانيا، حيث اجتمع القادة الأمنيون من حول العالم، بدت نسخة مؤتمر الأمن لعام 2026 وكأنها تدشن حقبة جيوسياسية جديدة بالكامل. فبعد أربع سنوات من تحذيرات واشنطن للقارة العجوز من الخطر الروسي الداهم، انقلبت الأدوار بصورة درامية. فوقف القادة الأوروبيون لتحذير الولايات المتحدة من تبعات سياساتها، وعبروا عن توجه كان مخصصاً في السابق للتعامل مع الصين وسلاسل التوريد الروسية: “تقليل المخاطر”، ولكن هذه المرة للتعامل مع المخاطر الآتية عبر الأطلسي من ناحية الحليف الأمريكي.
ويكاد يجمع المراقبون على أن مصطلح “تقليل المخاطر” سيكون العنوان العريض للمرحلة المقبلة. واعتاد الأوروبيون على استدعاء هذا المفهوم عند الحديث عن تقليص الاعتماد الاقتصادي على بكين، لكن استخدامه لوصف العلاقة مع واشنطن يمثل بالفعل تحولاً استراتيجياً عميقاً. المستشار الألماني فريدريش ميرتس، قاد في ميونيخ هذا التوجه، منتقداً بصراحة نادرة اعتماد أوروبا المفرط، والمديد، على مظلة الحماية الأمريكية.
وعكس خطاب ميرتس قناعة متزايدة لدى العديد من العواصم الأوروبية بضرورة الاستعداد لسيناريوهات تعمل فيها الولايات المتحدة وفقاً لمصالحها المنفردة، بمعزل عن التزاماتها التقليدية تجاه القارة. وشهدت أروقة المؤتمر نقاشات جانبية وعلنية جادلت بضرورة بناء “كتلة صلبة” أوروبية قادرة على الردع والمواجهة منفردة إذا لزم الأمر.
وكان أبرز المؤشرات على هذا التحول الجذري في الرؤية المبادرة التي أشار إليها ميرتس، والمتمثلة في إطلاق محادثات مكثفة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول توسيع المظلة النووية الفرنسية لتشمل حماية الأراضي الألمانية. ويمثل هذا النقاش تجاوزاً لمحرمات استراتيجية استمرت لعقود، حيث كانت برلين تعتمد كلياً على المظلة النووية الأمريكية ضمن إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ويُظهر هذا التحرك الألماني قلقاً عميقاً في برلين من احتمال تردد واشنطن في “المخاطرة بنيويورك من أجل حماية برلين” في أي مواجهة مستقبلية. ورغم تأكيد المستشار الألماني على أن أي ترتيبات ستكون منسقة مع الناتو، إلا أن التحرك يهدف إلى الاحتفاظ ب “بوليصة تأمين” أوروبية خالصة، تضمن الردع في حال غياب أو تراجع الدور الأمريكي.
ومن الجليّ بأن الخلاف الدبلوماسي الحاد حول جزيرة غرينلاند كان له دوره في تسريع وتيرة هذا التباعد بين جانبي الأطلسي. فالمطالب الأمريكية المتجددة، والتي عبر عنها الرئيس ترامب، بضرورة سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة التابعة للدنمارك لأسباب أمنية، أثارت حفيظة الأوروبيين واعتبروها مساساً بالسيادة.
رئيسة الوزراء الدنماركية، ميت فريدريكسن، كانت عبرت عن هذا القلق، داعية أوروبا إلى تبني “عقلية حال الطوارىء” لأن القارة تواجه “نظاماً عالمياً جديداً” فيه محض القوة هي العملة الوحيدة القابلة للصرف، وأن “الدول التي تعجز عن حماية نفسها ومواردها وسيادتها تواجه خطر الفناء السياسي”. لقد تحولت قضية غرينلاند من خلاف ثنائي بين واشنطن وكوبنهاجن إلى جرس إنذار جماعي دفع القادة الأوروبيين للتكتل وراء الدنمارك، معتبرين أن احترام سيادة دول الغرب مبدأ لا يقبل المساومة حتى مع أقرب الحلفاء.
في المقابل، حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو احتواء المخاوف الأوروبية عبر خطاب اتسم بلهجة دبلوماسية دافئة، مغايرة تماماً للحدة التي ميزت خطاب نائب الرئيس جي دي فانس في نسخة العام الماضي من المؤتمر. وركز روبيو على الروابط التاريخية والثقافية، واصفاً أمريكا بأنها “ابنة أوروبا”، ومستدعياً إرثاً حضارياً مشتركاً يجمع ضفتي الأطلسي.
ومع ذلك، حمل الخطاب في طياته تأكيداً على ثوابت إدارة ترامب الجديدة. فقد تحدث الوزير عن “التهديد الحضاري” الذي يشكله ما وصفه بالهجرة الجماعية، وضرورة أن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية الدفاع عن نفسها بشكل كامل في المجالات التقليدية. كما غابت عن خطابه أي تعهدات صريحة بخصوص مواجهة روسيا، أو تحذيرات للكرملين، وهو ما التقطه الدبلوماسيون الأوروبيون كإشارة دالة على أولويات واشنطن الجديدة التي تركز على الداخل الأمريكي والمنافسة مع الصين، تاركة لأوروبا عبء التعامل مع التهديد الروسي المباشر.
الحرب في أوكرانيا، التي تدخل عامها الخامس، ألقت بدورها بظلال ثقيلة على المؤتمر بعد تعمق التباين في الرؤى بين واشنطن والعواصم الأوروبية. فبينما تدفع إدارة ترامب نحو إنجاز “صفقة” لإنهاء الحرب، يخشى القادة الأوروبيون من أن تؤدي أي تسوية “متعجلة وسيئة” إلى تشجيع روسيا على المزيد من التوسع المستقبلي.
وفي هذا السياق حذر الرئيس التشيكي بيتر بافل ورئيسة وزراء الدنمارك من أن اتفاقيات سلام هشة ستكون مجرد مقدمة لعدوان جديد. كما أصر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على ربط أي عملية سياسية أو انتخابات في بلاده بوقف إطلاق نار شامل ومستدام، رافضاً الضغوط لإجراء عمليات اقتراع تحت القصف.
وفيما بدا ترجمة عملية لهذا التباين، بدأ عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا والمملكة المتحدة، في تعزيز التعاون الصناعي العسكري المباشر مع أوكرانيا، بما في ذلك مشاريع لتصنيع الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي، استعداداً لاحتمال استمرار الحرب لسنوات أخرى، بغض النظر عن الموقف الأمريكي.
وفي مشهد يعكس إعادة ترتيب الأوراق، تقدمت المملكة المتحدة كلاعب محوري في الجهود لتوحيد الصف الدفاعي الأوروبي. وطرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر رؤية لـ “تجديد جذري” لعلاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، تتجاوز مرحلة ما بعد “بريكست”.
ودعا ستارمر إلى تعزيز “القوة الصلبة” الأوروبية، مؤكداً أن بريطانيا ستكون جزءاً لا يتجزأ من الأمن الجماعي للقارة. وتضمن طرحه مبادرات لتوحيد المشتريات الدفاعية وتقليل التشتت في الصناعات العسكرية الأوروبية، مشدداً على أن أوروبا مجتمعة يجب أن تمتلك القدرة على الردع والقتال إذا لزم الأمر، وأن الاعتماد على الذات هو الضمانة الوحيدة للاستقرار في عالم مضطرب.
وهكذا إذا كان يمكن الخروج من مؤتمر ميونيخ 2026 بخلاصة حول العلاقات عبر الأطلسي فستكون أن التحالف التاريخي العتيد دخل مرحلة إعادة هيكلة إجبارية. إذ لم تعد أوروبا تنظر إلى الاستقلال الاستراتيجي كرفاهية فكرية أو طموح فرنسي قديم، بل كضرورة وجودية تمليها المتغيرات في واشنطن والتهديدات من الشرق.
النسق الجديد للعلاقة سيقوم على الشراكة الانتقائية والواقعية السياسية؛ حيث ستبقى الولايات المتحدة دائماً حليفاً مهماً، لكنها لم تعد الحامي الأوحد أو الضامن التلقائي للأمن الأوروبي. وبينما تتجه واشنطن للتركيز على أولوياتها الداخلية وصراع القوى العظمى في المحيط الهادئ وإخضاع حديقتها الخلفية في أمريكا الجنوبية، تجد أوروبا نفسها أمام حتميات تاريخية لبناء درعها الأمني الخاص، وصياغة مصيرها بيدها، مستفيدة من دروس العهد الترامبي التي أثبتت أنه في السياسة، “إن كنت ضعيفاً لا يعترف بك العالم”، حيث تبقى الضمانات الوحيدة للبقاء تلك التي تمتلكها الدول لنفسها.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-02-16
تعليق واحد
من خلال مؤتمر ميونيخ للامن ومن خلال استنتاجات الاستاذ كاتب المقال التفصيلي والرائع بأن اوربا التي حطمت بلدان عديدة بمؤامراتها وتدخلت في شؤون عديد الدول وسببت الكوارث لها عبر التاريخ ابتداءا من فلسطين الحبيبة والعراق وليبيا وسوريا مؤخرا وغيرها ان اوربا مجرد فقاعة قارة ضعيفة لا تستطيع ان تدافع عن نفسها بدون مساعدة امريكا .
وثانيا ماهو البعبع الروسي الذي تخشاه القارة الاوربية . روسيا لم تستطيع ان تحسم معركة اوكرانيا وهي تدخل عامها الخامس اي بعبع هذا الذي يقلق القارة العجوز . اكرر اوربا تابعة للقرار وللحماية الامريكية بالكامل