عقد الأحلام الثورية الخائبة!
يقدم جيسون بيرك في “الثوريون” مرثية لعقد السبعينيات حين امتزجت المثالية الرومانسية لليسار العالمي بعدالة القضية الفلسطينية، قبل أن يتلاشى حلم التغيير النبيل وتصعد الراديكاليات الدينية
سعيد محمد*
في أغسطس 1969، استولى رجل وامرأة ينتميان إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على طائرة ركاب أمريكية كانت تحلق من روما إلى تل أبيب. هبطت الطائرة في دمشق، وتم تفجير مقدمتها بعد نزول الركاب والطاقم. لم تفقد أي أرواح؛ وتم لاحقاً تبادل للأسرى، لكن تلك العملية الجريئة أطلقت كرنفالاً من العمليات الفدائية المبهرة العابرة للحدود، وعقداً طويلاً من الأحلام الثورية.
لقد ساد شعور في مستهل السبعينيات بأن العالم يقف على أعتاب فجر جديد. وظهر ثوريون من كافة أنحاء العالم يحملون في قلوبهم إيماناً عميقاً بقدرة الفرد على تحدي الأنظمة القائمة وإعادة صياغة التاريخ.
الفلسطينية ليلى خالد، كانت بحق، أيقونة لتلك المرحلة. في عام 1969 عندما خطفت الطائرة إلى دمشق، عاملت رهائنها بلطف وقدمت لهم الحلوى والسجائر، مؤمنة بأن قضيتها عادلة وأن هدفها التحرر لا القتل. هذا النبل عكس جانباً من العقلية المثالية التي ميزت ثوار اليسار في بداياتهم؛ حيث الهدف “الدعاية للفعل” والوصول إلى مفاوضات تضمن الحقوق، بعيداً عن الرغبة في سفك الدماء.
يلتقط جيسون بيرك، مراسل الأمن الدولي في الغارديان، في كتابه “الثوريون” كثيراً من الجوانب الإنسانية البسيطة التي جعلت من هؤلاء الثوريين شخصيات قريبة من الروح رغم أفعالهم الصادمة. فيصف تفاصيل هيئاتهم، من السوالف الطويلة والنظارات الشمسية إلى القبعات العسكرية التي كانت ترمز للتمرد، ويصوّر أيام الثوريات الألمانيات من الجيش الأحمر اللواتي يكن يمزجن بين دراسة المادية الجدلية والاستمتاع عاريات الصدر بشمس عمان – ما أثار استياء مضيفيهن الفلسطينيين -. وببرود ساخر، يصف بعضهم بأنهم أقل من أيديولوجيين وأقرب لشخصيات غريبة الأطوار مثل كوزو أوكاموتو من الجيش الأحمر الياباني الذي كان لديه هوس بزهرة الكرز، أو كارلوس، الماركسي الفنزويلي الذي ترك دراسته في جامعة باتريس لومومبا في موسكو لينضم إلى الفلسطينيين، كي “أتعلم كيف أقتل اليهود.” – على حد تعبيره. إن هذا الاندفاع العاطفي نحو المطلق، والعيش على الحافة، والتنوع الإنساني كانت بمجموعها تعبيراً عن هوية مشروع نبيل للعدالة والغد الأفضل بغض النظر عن مدى واقعيته.
يتتبع بيرك مساراً حزيناً لتلاشي تلك الأحلام الوردية. فمع مرور الوقت، بدأت تلك الحركات تواجه جدار الواقع القاسي مع فشل اليسار العالمي في تحقيق طموحاته. الفراغ الذي نشأ عن الخيبات بدأ يمتلئ تدريجياً بنوع جديد من الراديكالية، حيث انتقل التركيز من الثورة الأممية التي تحلم بوحدة العمال والفقراء إلى حركات تستند إلى هوية دينية متشددة شيعية وسنية.
تظل فلسطين في قلب هذا الكتاب، المحرك الأساسي لمشاعر الغضب والتعاطف في السبعينيات. لقد كان الغضب من النكبة والاحتلال والدعم الغربي لإسرائيل وقوداً لا ينضب لحركات التمرد العالمية، وكان الثوريون من مختلف الجنسيات يرون في القضية الفلسطينية بوصلة وجوهر الصراع بين الحق والباطل.
لكن تغطية بيرك لديناميكية التحول من اليسار إلى الإسلام الراديكالي مفتقدة للعمق، وتبدو أقرب إلى قبول بالسردية الساذجة التي لا تلحظ دوراً لأجهزة الاستخبارات وأموال النفط في خلق نماذج “جهادي دولي” يقاتل في جبهات مختلقة تخدم قضية الهيمنة بعيداً عن فلسطين.
في النهاية، فشل عنف السبعينات الموصوف في “الثوريون” في تحقيقي أهداف مرتكبيه. لم يستغل الفلسطينيون الأعمال الفدائية أبداً ضمن برنامج سياسي استراتيجي، وانتهى الثوار العرفاتيون إلى السقوط في أوسلو. وبينما يحكم متعصبون إسلاميون في كابول ودمشق، يستمر الدواعش بتنفيذ هجمات دموية مشبوهة بين الحين والآخر. ويبدو الشعور العميق بالإذلال والغضب والتهميش الذي يشعر به الكثيرون في الشرق الأوسط منذ عقود وكأنه لم يعالج أبداً.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-02-08
تعليق واحد
مرحلة العمل الثوري الفلسطيني وتفعيل ساحات الخارج ونبراسها المناضل وديع حداد
مرحلة كان الصهيوني يخشى خياله في اوربا ويتخفى بجنسيات مختلفة لكن عندما توقفت ساحات الخارج سوى في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين او مايسمى الغربي الذي كان يقوده الشهيد المناضل ابو جهاد في حركة فتح ،
تراجع شديد وبعدها اصبح للاسف الدم الفلسطيني رخيصا جدا
المجد للمناضلة ليلى خالد