ما بعد الإبادة: استعادة السياسة من منطق الإدارة!
بقلم: خالد صالح عطية
ما بعد الإبادة ليس عنوانًا إنشائيًا في الحالة الفلسطينية، بل توصيف بنيوي لمرحلة انكشفت فيها حدود نموذج كامل، لا مجرد خيارات أو قيادات أو أدوات. ما يتداعى أمامنا ليس تكتيكًا فشل، ولا مسارًا تفاوضيًا تعثّر، ولا شكل مقاومة أُجهض، بل بنية سياسية كاملة قامت على خلطٍ مدمّر بين التحرر والإدارة، بين التمثيل والوظيفة، بين الشرعية الوطنية والشرعية التشغيلية. لذلك فإن أي حديث عن “الخروج” لا يمكن أن يبدأ بوصفة، ولا ببرنامج جاهز، بل بإعادة تأسيس شروط الفعل السياسي نفسه.
ومع ذلك، فإن توصيف المرحلة بوصفها ما بعد الإبادة لا يعني لحظة عجز تاريخي فلسطيني، بل سقوط نموذج سياسي لا سقوط شعب. فالتجربة الفلسطينية منذ ما قبل النكبة أثبتت أن المجتمع، لا البنية الرسمية، كان دائمًا مصدر القدرة على الابتكار وإعادة التشكل. من الشتات وُلدت الهوية، ومن المخيم وُلدت السياسة الشعبية، ومن الحصار وُلدت أشكال التنظيم الذاتي، ومن كل محاولة اقتلاع وُلد شكل جديد من الثبات. ما يُقرأ خارجيًا كقدرة على التحمّل هو في جوهره قدرة على إنتاج معنى جماعي يقاوم التفكيك. وهذا ما لم تفهمه كل مشاريع الضبط: أن الفلسطيني لم يكن يومًا مادة إدارة، بل ذاتًا تاريخية تعيد تعريف شروط بقائها سياسيًا.
أخطر ما بعد الإبادة ليس الفراغ، بل الوهم بأن النموذج الذي سقط يمكن ترميمه لغويًا. تغيير المصطلحات، إعادة تسمية الأجسام، وتدوير النخب، لا يُنتج مشروعًا جديدًا. المأزق الحقيقي وقع حين تحوّلت السياسة من فعل تحرري تاريخي إلى جهاز إدارة يومي، وحين جرى استبدال سؤال التحرر بسؤال الحوكمة، وسؤال التمثيل بسؤال القدرة على الضبط. هنا لم تفشل الاستراتيجيات فقط، بل انكمش معنى السياسة ذاته.
في هذا السياق، تبرز أهمية التمييز الصارم بين المشروع الوطني بوصفه فعل تحرر تاريخي، وبين الإدارة بوصفها وظيفة مجتمعية تحت القيد. وقد نبّه المفكّر العربي عزمي بشارة في مداخلته خلال المؤتمر السنوي الفلسطيني الرابع بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير 2026 إلى خطورة الخلط بين المجالين، حين تتحول البنى الإدارية إلى بديل عن الحامل التحرري، وحين يُستبدل الفعل السياسي بمنطق التشغيل. تكتسب هذه الإشارة وزنها لأنها تؤكد أن كفاءة الإدارة — مهما كانت ضرورية — لا تؤسس مشروعًا وطنيًا بذاتها، وأن الوطني لا يجوز اختزاله في الخدمي، ولا التمثيل في الوظيفة.
الخطوة الأولى في أي خروج حقيقي بعد الإبادة هي الوضوح التشخيصي الصارم: الاعتراف بأن نموذج “السلطة/المشروع” استنفد نفسه، وأن الجمع بين إدارة الناس تحت الاحتلال وقيادة مشروع التحرر أثبت تناقضه البنيوي. الإدارة وظيفة ضرورية لحماية المجتمع، لكنها ليست مشروعًا وطنيًا. وحين تُحمَّل الإدارة ما لا تحتمل، تتحول إلى أداة ضبط، ويُختزل التحرر إلى خطاب رمزي بلا أدوات. الفصل بين الوظيفتين ليس ترفًا نظريًا، بل شرط تأسيسي لإعادة ولادة السياسة.
بعد الإبادة، لا يعود السؤال: ما هو البرنامج؟ بل: من هو الحامل؟ التجربة الفلسطينية أظهرت فائض برامج مقابل عجز حوامل. كُتبت وثائق وأُعلنت استراتيجيات، لكن الحوامل الاجتماعية–السياسية القادرة على تحويل البرنامج إلى قوة تاريخية كانت تتآكل. أي مشروع بلا حامل اجتماعي منظم، عابر للمصالح الفئوية، قائم على شرعية تمثيلية حقيقية، يتحول إلى نص إضافي في أرشيف الخيبات.
المعركة بعد الإبادة ليست تنظيمية فقط، بل معرفية أيضًا. إذ يجري نزع السياسة عبر المفاهيم: تُسمّى الإبادة أزمة إنسانية، ويُسمّى الضبط استقرارًا، وتُسمّى الوصاية إعادة إعمار، ويُسمّى تعطيل التمثيل إصلاحًا. حين تُختطف المفاهيم، يُختطف الواقع. لذلك فإن استعادة المعنى ليست ترفًا فكريًا، بل شرط مقاومة، لأن المعركة على المفهوم جزء من المعركة على المصير.
لحظة ما بعد الإبادة لا تحتمل أوهام الحلول السريعة. المجتمعات الخارجة من الصدمات التاريخية الكبرى لا تنتقل بقفزة إلى مشروع مستقر، بل عبر طور طويل من إعادة التشكّل. الاستعجال يُنتج بدائل هشة تعيد إنتاج المنطق القديم بأقنعة جديدة. ما نحتاجه هو نفس تاريخي طويل: تراكم، تنظيم، صراع على الوعي، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والسياسة.
الخروج لا يبدأ من شعار، ولا من مؤتمر، ولا من وثيقة. يبدأ من شجاعة الاعتراف، وانضباط التفكيك، وصبر البناء. ففي لحظات ما بعد الإبادة، لا يكون أخطر ما نواجهه هو الفراغ — بل الإجابة السهلة .
30-01-2025