سيد خيارات اوربا!
اضحوي جفال محمد*
الحماقة السياسية ليست حكراً على ساسة العالم الثالث، كما انها لا تختص بالأفراد في مجتمعات متخلفة. وإليكم بعض النماذج الصارخة نتخذها مدخلاً لمقالنا هذا..
الحرب الاوكرانية افتعلها الأمريكيون بهدف ادخال روسيا في مستنقع يعيقها استراتيجياً سنوات وربما عقوداً. ولم يكن خارج تخطيطهم استهداف اوربا بنفس الفخ لإشغال الاوربيين بأنفسهم. فتقدمت اوربا نحو الفخ بسرعة وحماس.
كان الاوربيون الكبار يعيشون مرحلة ازدهار صناعي لأسباب أبرزها الطاقة الرخيصة القادمة من روسيا، فجعلت الولايات المتحدة على راس اهدافها توظيف الحرب لمقاطعة روسيا اقتصادياً كي تأخذ محل روسيا في تصدير الطاقة لاوربا. وهكذا تم ايقاف التصديق على خط نورد ستريم2 المقدر له ان ينقل 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى المانيا عبر بحر البلطيق. وكان بناؤه قد اكتمل عندما اندلعت الحرب فلم يُفعّل، ثم تم تفجير خط نورد ستريم1 الموازي والسابق له والذي كان ينقل ذات الرقم من الغاز فتوقف عن العمل، تشير كل المؤشرات إلى مسؤلية الولايات المتحدة عن التفجير، وحين اضطرت المانيا تحت ضغط الرأي العام على اجراء تحقيق لم تجرؤ على كشف نتائج التحقيق. والنتيجة ان الولايات المتحدة بدأت تضخ لهم الغاز بعشرة اضعاف سعر الروسي. ولما كان الغاز الأمريكي لا يكفي صار الاوربيون يشترون الغاز الروسي عبر تركيا بعد أن يدفعوا لجشع اردوغان استحقاقه.. فهل رأيتم حماقات كتلك؟.
وكان هناك خط لنقل النفط الروسي يصل إلى اوربا عبر الأراضي الاوكرانية، تاخذ منه أوكرانيا حاجتها وتمرر الباقي إلى مَن وراءها، فقررت بعد سنتين ونصف من الحرب ايقافه.. وأخذت تستورد النفط الروسي من الهند بعد أن تدفع لجشع مودي استحقاقه.. فهل سمعتم بحماقة كهذي؟.
فلما بات طريق الرجوع ثقيلاً على الكرامة الاوربية الفارغة جاء ترامب ليقول ببساطة ان هذي الحرب ليست حربي، وسحب الولايات المتحدة من أعبائها مطالباََ أوكرانيا بدفع ضعف ما صرفه بايدن عليها، فوافقت صاغرة. اما الاوربيون فبات عليهم مواصلة الدعم المباشر، وشراء الأسلحة الأمريكية المرسلة إلى أوكرانيا.
عند هذا الحد لم يتوقف نهم ترامب حيال أتباعه الخانعين ففرض على بضائعهم رسوماََ مجحفة، واستولى على جزء كبير من ارضهم (غرينلاند)، وفرض عليهم تمويل ميزانية الناتو التي كانت تضطلع بها بلاده. وحين لم يجد باباً اضافياً لاضطهادهم راح يستهزىء بقادتهم في المؤتمرات الدولية كفاصل ترفيهي يطرد به الملل عن الحاضرين.
لهذه الاسباب مجتمعة شهدت المانيا وحدها افلاس اكثر من أربعين الف شركة في العامين الأخيرين، بينها شركات تمثل رموزاً وطنية للألمان مثل شركة فولكس فاكن. وهذي هي الدولة الاوربية الاولى في مضمار الاقتصاد. وتشير الامور الى أن كوابيس اقتصادية بانتظارهم.. فماذا عليهم ان يفعلوا؟ هم الان يمرون بمرحلة شلل تام، منتهى طموحهم أن تقبل بهم الولايات المتحدة تابعين أذلاء. هذا رغم اعتمال السخط داخل أروقتهم السياسية.. لا ندري عما يسفر!.
فهل تنبسط أمامهم خيارات معقولة؟ أفضل الخيارات برأيي أن يخلعوا جبنهم، ويقتحموا المسرح العالمي كما تقتحمه دولٌ تحسب نفسها على المستقبل.. ان يقلبوا الطاولة على الغطرسة الأمريكية. وبوابة ذلك ايقاف الحرب الاوكرانية بتنازلات أوكرانية لا بد منها. ثم الرد على ترامب باستقلال اوربا امام شعار (النصف الغربي من العالم لأمريكا). يلي ذلك الانفتاح على روسيا في تشكيل اوربا جديدة تأخذ دورها المناسب في العالم الجديد. اعتقد انه الخيار الوحيد المتبقي لديهم. وسوف يلجأ اليه بعضهم لبناء تحالف استراتيجي مع روسيا يعيد بعث الحياة في القارة العجوز.
( اضحوي _ 2335 )
2026-01-26