مؤسسات الرفاه تزول بزواله.. (اليورو)!
اضحوي جفال محمد*
لعل عنوان المنشور بديهة من البديهيات، ونحن هنا ننظر من خلاله إلى اليورو. فاليورو مؤسسة رفاه غير قابلة للعمل في ظروف الفقر. أوجدها الاوربيون نهاية القرن الماضي عندما شعروا ان هذه الدنيا مصممة لسعادتهم وحدهم. لم يكن الشرق قد وثب وثبته الكبرى التي ضيّقت عليهم الخناق، وكان الاتحاد السوڤييتي وكتلته الاشتراكية قد زال، ونفقات الدفاع تتكفل بها الولايات المتحدة عبر الناتو، فلم يبق لهم من مهام سوى الانتاج الاقتصادي وجني الارباح. لذلك لم يضعوا في مخطط توحيد العملة احتمالات العجز في الميزانية ومنحدرات الديون وامراض الاقتصاد. فمن الشروط اللازمة على اعضاء اليورو ان لا يكون في موازناتهم عجز! مثل ولي يوفر لمواليه طعاماً فاخراً ويشترط عليهم أن لا يهرموا كي يواصلوا الاستفادة من الطعام الفاخر، فعند الشيخوخة تصبح الأطعمة الشهية والدسمة زقوماً.
درجة الثقة بالنفس جعلت الاوربيين قبل ثلاثة عقود يخالفون نواميس الحياة باختطاطهم طريقاََ للذهاب فقط دون ان يضعوا في الحسبان احتمال الحاجة للرجوع مستقبلاً!.
الان صعدت روسيا لتعوض وحدها دور الاتحاد السوڤييتي وكتلته الاشتراكية، وتخلت الولايات المتحدة عن دور الحامي لاوربا وقالت بصلف: احموا انفسكم، واكتسح الشرق بقيادة الصين اقتصادات العالم ونافس الغرب في عقر داره وأخذ منه صدارة الانتاج، فوقعت اليورو في حيص بيص.
البنك المركزي الأوربي الذي يطبع اليورو ويتحكم بها موجود في المانيا، وهي المؤثر الأكبر في ادارته بحكم امتلاكها الاقتصاد الأعظم داخل القارة، فهل تفرض عليه ان يتصرف وفقاً لحاجاتها الاقتصادية؟ وفي هذه الحالة ماذا تفعل التسعة عشر دولة اخرى لكل منها ظروفها الخاصة ومصالحها المختلفة عن المصلحة الالمانية؟ طبعاً يشارك الجميع في القرار وهذا يعني الشلل او الافتراق لأن التجانس بات مستحيلاً. فعلى سبيل المثال تسعى فرنسا لخفض سعر الفائدة في منطقة اليورو بسبب تباطؤ النمو فيها بينما تسعى المانيا لإبقاء الفائدة على حالها او رفعها لمنع التضخم من الاستفحال، والقرار بيد البنك الأوربي حصرياً، وفي النهاية عليه ان يلبي إحدى الرغبتين فيضر بالأخرى.. فماذا يفعل؟. والمسألة في الحقيقة لا تخص دولتين فقط وانما عشرين دولة لكل منها ضروراتها الملحة.
في العائلة الواحدة يمكن ضغط رغبات بعض الأفراد لتحقيق توازن في جدول الطعام اليومي لهم مجتمعين أما في عشرين دولة تمر جميعها بصعوبات اقتصادية فإن الرضوخ لمصلحة بعضها يدفع البعض الاخر للانشقاق، تلك مسألة لا بد منها، لأن فرنسا مثلاً لو قررت خفض الفائدة بشكل منفرد من اجل تحريك السوق فالذي يحدث ببساطة ان نقودها بدل ان تخرج من البنوك إلى سوق العمل ستتجه فوراً إلى البنوك الالمانية ذات الفائدة الأعلى، فلا تكون فرنسا قد فعلت اكثر من ضخ اموالها في شرايين الاقتصاد الالماني. اذن سيؤدي هذا التململ داخل منطقة اليورو إلى خروج بعض الدول، او انقسام الكتلة إلى كتلتين، او التشرذم، وفي كل الاحوال يُعد ذلك مظهراً من مظاهر انقضاء عصر وابتداء عصر جديد في عمر الإنسانية.
( اضحوي _ 2299 )
2025-12-17