الشهادات الفخرية والجهات المانحة زُورًا
ومن هي الجهات المرخصة قانونًا بمنحها؟**
مقالة بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
لم تعد ظاهرة التلاعب بالألقاب العلمية حبيسة الجدران أو الأروقة الضيقة، بل خرجت إلى العلن كنوع من “الاستعراض الأكاديمي الزائف” على منصات التواصل الاجتماعي. فبعد أن شاهدنا أفرادًا يسبغون على أنفسهم ألقابًا علمية رفيعة لا علاقة لهم بها، ظهرت – وبشكل أكثر فجاجة – تجمعات وكيانات غير قانونية تتاجر بالعلم، وتبيع شهادات الدكتوراه الفخرية والألقاب والصفات الدبلوماسية كما تُباع السلع في الأسواق الرخيصة.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك عبثي أو بحث عن وهج اجتماعي، بل تحولت إلى إساءة مباشرة للقيم الأكاديمية، وإلى اعتداء على مصداقية المؤسسات العلمية الرصينة وعلى كل باحث أفنى سنوات من عمره في مختبر أو جامعة أو مكتبة. والمخجل حقًا هو قبول البعض بتلك “الورقة” التي لا قيمة لها، والتفاخر بها علنًا، وكأنهم يضعون توقيعًا رسميًا على جهلهم بالمعايير الأكاديمية أو تهاونهم في احترام العلم.
من يمنح الدكتوراه الفخرية؟ وما هي الجهة المرخصة لذلك؟
تاريخيًا، تُمنح الشهادات الفخرية ضمن إطارين شرعيين فقط:
1. الجامعات المعترف بها رسميًا
• الجامعات الحكومية أو الخاصة المسجلة حسب قوانين وزارات التعليم العالي في بلدانها.
• تمنح الشهادة الفخرية تكريمًا لشخصية ذات تأثير ثقافي أو اجتماعي أو علمي أو إنساني.
• تُمنح بقرار رسمي من مجلس الجامعة، وليس بمزاج رئيسها أو مديرها.
2. الأكاديميات والمؤسسات العلمية الدولية المسجلة قانونًا
• وهي جهات تمتلك ترخيصًا حكوميًا واضحًا، ولها سجل أعمال أكاديمي وبحثي حقيقي.
• وغالبًا ما تكون مرتبطة باتفاقيات دولية أو مجالس اعتماد علمية معترف بها.
ومن لا يحق له منحها؟
هنا نجد أصل المشكلة، بل الفضيحة:
• “المراكز التدريبية” التي لا تمتلك أي اعتراف أكاديمي.
• “المنظمات الوهمية” التي تسجل نفسها كجمعيات ثقافية ثم تتحول فجأة إلى “جامعات”.
• “الهيئات الدبلوماسية” المصطنعة التي تمنح رتبة سفير أو لقب دبلوماسي مقابل اشتراك أو رسم.
• “الكيانات الإلكترونية” التي لا وجود لها إلا على صفحات التواصل.
هذه الجهات جميعها غير قانونية، وما تمنحه من شهادات أو ألقاب لاغٍ ولا قيمة له، بل قد يُعد انتحالًا أو تزويرًا في العديد من القوانين.
لماذا يُعد قبول هذه الشهادات إساءة لصاحبها؟
لأن من يقبل شهادة مزورة:
• يضع نفسه في موقع الشبهة أمام المجتمع الأكاديمي.
• ويظهر كمن يبحث عن الشهرة بأقصر الطرق، لا عن المعرفة بأصعبها.
• كما يسيء إلى أي لقب علمي يحمله أصلًا، ويحطّ من قيمته في نظر الآخرين.
العلم مكانته رفيعة، ومن يضع على صدره وسامًا لا يستحقه، إنما يفضح نفسه قبل أن يسيء إلى الآخرين.
خلاصة القول
إن الشهادة الفخرية تكريمٌ لا يُطلب، ومكانة لا تُشترى، وشرف لا يمنحه إلا من يملك الصلاحية العلمية والقانونية. وما عدا ذلك فمجرد أوراق مُهرَّبة من خلف ستائر الوهم.
ومسؤولية المثقفين والباحثين والأكاديميين اليوم أن يقولوا كلمتهم بوضوح:
العلم ليس للمتاجرة… واللقب لا يصنع عالمًا، بل العالم هو من يصنع اللقب.
2025-11-26