[محور النعمة ومحور النقمة في جغرافيا الشرق الأوسط الجديد]!
رنا علوان
أكثر من ثلاث سنوات مرّت على خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة ، تلك التي رفع فيها خريطة الشرق الأوسط ( الذي يتطلّع الى تغييره)
هذه الخريطة لم تكن مجرد رسم جغرافي ، بل كانت حقيقة تعكس رؤية نتنياهو لِمَ وصفه بـ “محوّر النّعمة”، الذي يضم الدول المطبّعة ، في مقابل “محوّر النّقمة” ، الذي يشمل دول المقاومة
أما مصطلح «إسرائيل الكبرى» فقد أُستخدم من قَبل “بصريح العبارة” بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) 1967 للإشارة إلى [ “إسرائيل” ومناطق القدس الشرقية والضفة الغربية ، وقطاع غزة ، وشبه جزيرة سيناء في مصر ، ومرتفعات الجولان ]…
ولو أردنا العودة الى الوراء أكثر لوجدنا انها مخطط يعود الى ما قبل تأسيس الكيان كما ذكرت “‘خطة ينون”‘ ومذكرات المؤسسين الأوائل
هذا ” الحلم الإسرائيلي ” الذي أشار اليه نتنياهو ، في حديثه لقناة «i24» بوصفه «مهمّة أجيال» يُسلمها جيل إلى جيل ، ليُضيف قائلاً « أشعر بأنيّ في مهمّة روحيّة وتاريخيّة من أجل الشعب اليهودي » ، وفقًا لما نشرته صحيفة «ذا تايمز أوف إسرائيل»
وكان شارون جال (وهو نائب يميني سابق) ، قد أهداه علبة بها تميمة تحمل خريطة «إسرائيل الكبرى» … إلا أنه قال له مُمازحًا : « لا أهديها لك ، فلا أريد توريطك (بسبب قضية الهدايا التي تلاحقه ) بل هذه هدية لزوجتك سارة »
وعندما سُئل عمّا إذا كان يشعر بإرتباط «بهذه الرؤية» لـ«إسرائيل الكبرى» ، أجاب نتنياهو : «بالتأكيد» ، ولم تظهر صورة الهديّة على الشاشة ، وفقًا للحوار الذي شاركه نتنياهو عبر حسابه على منصة «إكس»
ومن دون شك ، اننا بتنا نعرف الكثير عن عقل بنيامين نتنياهو وأفكاره خلال العام الأخير ، ليس فقط من خلال تصريحاته وأقواله التي يرددها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول ، ولكن من خلال أفعاله الرهيبة التي ارتكبها وما يزال يهدد بإرتكاب المزيد منها كلما أتيحت له الفرصة لذلك … وسوف أُبيّن لكم لاحقًا كيف ان معظم الحروب التي يخوضها الكيان الغاصب (يستوحي اسمها من التوارة كي يُلبسها اللباس الديني العقائدي لتعطي مفعولها الأفيوني فيصبح الإجرام امر مُحبّب وواجب بُغية خلاص الكيان)
وفي شرح الخريطة التوسعيّة “النتنياوية”
اولاً لكي نعرف أكثر عن الفكر الاستعماري التوسعي ، يجب ان نعرف شخصية نتنياهو جيدًا ، فهو متطرّف يستند إلى تقييمات جديدة لمعاني النعمة والنقمة والخير والشر والتنوير والظلام ، ولا يُبالي بمصالح أو حقوق الآخرين ، بل يربط كل ذلك بمصالحه ومصالح كيانه الذي يعتزم تشكيل المنطقة من جديد بما يناسبه … وان قلت لكم ان نتنياهو لو وجد مصلحته في الغدر بأميركا لن يتوانى عن ذلك لبرهة
والخريطة التي حملها ليشرح من خلالها مخططه [ تُقسّم الشرق الأوسط إلى قسمَين كبيرَين ] الأخضر منهما هو ما يُسمى محور النعمة ، ويشمل الكيان الصهيوني ومجموعة من الدول الإقليمية مما تسمى “‘بمحور الاعتدال”‘ ، وقد ظهر على الخريطة بلون داكن يغطي كل مساحة فلسطين التاريخية ولا يظهر فيه أي إشارة للضفة الغربية المُحتّلة وقطاع غزة المحاصر ولا شرقي القدس ، وهي المناطق التي يُفترض أن يُقيم الشعب الفلسطيني عليها ، دولته العتيدة وفق اتفاقات أوسلو الموّقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي برعاية أميركية في عام 1993 والتي أسس الرئيس الفلسطيني الأسبق ياسر عرفات بموجبها السلطة الفلسطينية ، بدايةً من غزة وأريحا ، ثم توسّعت لتغطي المدن الرئيسية في الضفة الغربية والتي أصبحت مدينة رام الله مقرًا مؤقتًا لها [ أملًا أن تكون القدس هي المقر الدائم وعاصمة دولة فلسطين الموعودة ]
ليس ذلك فحسب ، بل أطلق نتنياهو على خريطته “‘الشرق الأوسط الجديد”‘ ، والذي لا يظهر فيه إلا الجزء الملوّن بالأخضر ، ويختفي منه الجزء الملون بالأسود الذي يرمز لِمَ أسماه (باللعنة أو النقمة) ، ويشمل كلًا من إيران ، العراق ، سوريا ، ولبنان … وهي مجموعة الدول التي يوجد فيها محور المقاومة أو المُمانعة ، والتي بكل تأكيد تشكل خطر على الكيان الصهيوني بسبب مساندتها لغزة ، وطوفان الأقصى ، وجنوب لبنان ، وتقاوم بقوة السلاح والموقف (العدوانَ الإسرائيلي)
وفي قاعة الأمم المتحدة آنذاك ، حاول نتنياهو اقناع الحاضرين بمخططاته الا ان معظمهم غادر قبل أن يبدأ خطابه … وقد رسم نتنياهو سهمًا أحمرًا يبدأ من منطقة خضراء أخرى في الشرق الأقصى ، وهي “‘الهند”‘ التي ترتبط هي الأخرى بعلاقات جيدة مع الكيان الإسرائيلي الغاصب ، ويمرّ عبر الإمارات والسعودية والأردن ثم (فلسطين المُحتلة) نحو أوروبا … وهي إشارة إلى خط تجاري بحري وبري مُفترض سيربط الشرق الأقصى بأوروبا ، ومنه ستستفيد بلدان النعمة التي أشار إليها
لكنه لم يفسر كيف ستستفيد مصر والسودان من هذه النعمة ، حيث لا يمر الخط من خلالهما ، بل إنه يحرم مصر على الأقل من أفضل دخل أجنبي لها والمتمثل في عائدات قناة السويس التي كانت حتى وقت قريب أفضل خطوط النقل البحري ، وتمرّ عبره السفن التجارية القادمة من الشرق الأقصى نحو أوروبا دون توقف ، لكنه تضرر كثيرًا بسبب هجمات أنصار الله الحوثيين من اليمن على السفن التي تتعامل مع الاحتلال ، أو الشركات التي ترسل سفنها لموانئ الاحتلال
وقد تضررت بفعل هذه الهجمات حركة التجارة العالمية وتعطل العمل بميناء “إيلات” أُم الرشراش ، وكذلك تضررت قناة السويس وبعض الموانئ الإسرائيلية ، مثل: حيفا، وأسدود…
على الأرجح هو يفترض أن هناك دولًا مأزومة اقتصاديًا – ومنها مصر مثلًا – ستستفيد من بقايا ما سيقدمه لها هو من مساعدات من أجل البقاء على قيد الحياة ، وعلى ان تكون سوقًا استهلاكية واسعة تحصل على أرزاقها من دولة قويّة ومتطوّرة في التكنولوجيا الزراعيّة والصناعيّة والطاقة ، وأن عليها أن تسمح للعدو الإسرائيلي بالسيطرة على مواردها وتنميتها وتقديم ما تحتاجه للبقاء على قيد الحياة ، بينما ينتفع الكيان الغاصب بما سيفيض عن ذلك ويضخه نحو أوروبا عبر خط “‘النعمة الجديد”‘ الذي يسعى لتفعيله بعدما يقضي على مجموعة اللعنة والنقمة ليخلو الشرق الأوسط من أي منافسين له ولكيانه ويصبح (الشرق الأوسط الإسرائيلي) الجديد
أما بالنسبة للسودان ، الذي كان أخضر بطبيعته وموارده الزراعية قبل أن تمتد إليه أيدي المؤامرات الصهيو-أميركي برعاية خليجية ، والتي خلقت الفوضى والصراعات الأهليّة الطاحنة ، وأتت على الأخضر واليابس ، وزرعت بدلًا من محاصيله الخضراء أحوالًا بائسة من الفقر والعوز والجوع والنزوح والتدمير ، فضلًا عن الموت والدماء الحمراء التي لم تتوقف منذ سنوات ، بفعل الدسائس والمؤامرات الخارجية ، والتي تتجه أصابع الاتهام فيها نحو الكيان الإسرائيلي وبعض دول (النعمة) بالوكالة عنه
ومن غير الواضح ما هي النعمة التي سيحصل عليها السودان حال انضمامه إلى الخريطة الخضراء ، والأهم كيف سينهض من جديد !!! ، إلا إذا كان هو الآخر مصدرًا للموارد الطبيعية يقدمها بثمن زهيد للاحتلال ليطبق عليها ما يُطبق على موارد غيره ممن تربطه بالكيان علاقات تجارية أو تطبيعية أو جغرافية ، ويُعيد ما يشاء لاستهلاك السودان ، ويرسل الباقي نحو أوروبا التي ستستفيد هي الأخرى من هذه “‘النعم الإسرائيلية”‘
الأهم من كل ذلك أن المنطقة السوداء كلها أمامها خياران في فكر نتنياهو ، إما أن تُحيّد نفسها بنفسها وتتخلص من قوى المقاومة فيها ، أو أنه سيقوم بتغييرها وتحييدها بنفسه … وقد عبّر عن ذلك في سياق تهديده لإيران بأنه ليس هناك مكان لا نستطيع الوصول إليه وضربه في إيران
والجدير بالذِكر ان السودان وإن لم يعلن التطبيع الا انه وافق على توقيع اتفاقية في 23 أكتوبر 2020 بين الحكومتين السودانية والعدو الإسرائيلي ، بوساطة أمريكية ، ليصبح بذلك تطبيع غُب الطلب
ختامًا ، نحن لا نحتاج لكثير من الخيال لنتوقع أي لون جديد سيكْسو الشرق الأوسط في الصراع المحتمل بين الاحتلال وداعميه وبين “‘محور النقمة”‘ بحسب ما وصفه نتنياهو
لكن ما نحن على يقين منه ، ان هذا الكيان الى زوال وقد كتب العديد من ابناء جلدة هذا الكيان عن حتمية ذلك ، ولعل آخرهم آبراهام بورغ في عام 2007 ، فقد أثار بورغ عاصفة أخرى حين نشر كتابه ‘”لننتصر على هتلر”‘ حيثُ يشبه فيه حال العدو الإسرائيلي بحال ألمانيا النازية قُبيل هزيمتها … ويُحذّر في الكتاب من أن قطاعًا متضخمًا من مجتمع العدو الإسرائيلي يستخف بالديمقراطية السياسية ويعادي الأجانب ، ويقول إن الدولة باتت تحت رحمة أقليّة متطرّفة
ولا يزال بورغ ينشر هذه الفكرة التي يلخصها بالقول ان “إسرائيل غيتو صهيوني يحمل أسباب زواله في ذاته”، ويوضح في أحد الحوارات الصحفيّة أن “الناس يرفضون الاعتراف بذلك ، لكن العدو الإسرائيلي اصطدم بجدار … ليعود ويذكرنا بما اتى عليه ناحوم حين قص علينا بعضًا من مذكرات بن غوريون … مُستذكرًا أجابته (بإمكاني القول ان ابني سيعيش في فلسطين المُحتلة… لكن اذا اردت الإجابة عن “‘هل حفيدي سيعيش فيها لقلت لا أعلم”‘ لهذا بورغ قال في كتابه “‘اسأل أصدقاءك إن كانوا على يقين من أن أبناءهم سيعيشون هنا ، كم منهم سيقول نعم؟؟؟ 50% على أقصى تقدير!!! بل ربما أقل بكثير … ليعود ويؤكد بورغ بعبارة أخرى ، أن النُخبّة الإسرائيلية انفصلت عن هذا المكان ، ولا أمة دون نُخبة”
2025-11-14