قوّة الكلمات: وول سوينكا لا يلغي تأشيرات رعايا الإمبراطورية
الأديب النيجيري في عقده التاسع، يواصل التشكيك في العالم من حوله، ويزعج أعتى الإمبراطوريات
سعيد محمد*
ثمة من يتساءل عن جدوى الأدب في أيامنا؛ أيامِ الصفقات الكبرى، وخوارزميات التضليل، والقوة العارية. جوابه جاء، من قلب الإمبراطورية، إذ ألغت الولايات المتحدة، المنشغلة بصراعات تجارية وعسكرية مع القوى الكبرى عبر العالم، تأشيرة دخول الشاعر الأفريقي المرموق وول سوينكا، 91 عاماً، لأنه ارتكب جريمة “المقارنة”، حين نظر إلى الرجل البرتقاليّ، دونالد ترامب، وقال إنه يرى فيه “عيدي أمين أبيض الوجه”. إنها امبراطوريّة لا تحتمل التشخيص.
في مواجهة قبح الهيمنة، يظل الأدب أداة المقاومة الأخيرة. السلاح الذي يبقى بعدما تنبوا كل الأسلحة الأخرى.
سوينكا عندما سجنته الديكتاتورية العسكرية النيجيرية في حبس انفرادي لكسر إرادته وإجباره على الصمت لم يحاول الحصول على سكين أو بندقية، بل (سرق) قلماً من جيب طبيب السجن. لقد كان ذلك إعلانه التأسيسي عن جدوى الأدب: فحوّل ورق السجائر إلى منشورات ثوريّة، والزنزانة إلى مصنع للوعي. وكتب: “يموت الإنسان عندما يلتزم الصمت في مواجهة الطغيان”. عنده أن الصمت تواطؤ مع القبح، والكلمة وحدها نقيض تام لهذا الموت.
في رائعته “الموت وفارس الملك”، قدم لنا سوينكا شخصية الضابط البريطاني “بيلكينغز”، مجرد “بيروقراطي أحمق”؛ لكنه يجسّد “قبح” الغطرسة الجاهلة. النظام الإمبراطوري الذي لا يستطيع فهم أي منطق سوى سلطته الغاشمة. وبـ “نواياه الحسنة”، يتدخل “بيلكينغز” ليمنع طقساً لا يفهمه، فلا “ينقذ حياة” أحد، بل “يدمر العالم” الروحي لقبيلة ال اليورُوبا.
واشنطن كأنها “بيلكينغز” معاصرنا. ببرود رسالتها التي تتحدث عن “معلومات إضافية”، وبإجراءاتها التي تشدد على النيجيريين، تمارس ذات الصلف الاستعماري المقيت: “قانوننا” (الذي يمنع إهانة الرئيس) يعلو على “الحقيقة” (التي نطق بها الشاعر). إنها تحاول، بسحب التأشيرة القنصلية، إلغاء المعنى.
لكن الأدب، كسلاح أخير، ينتصر لأنه يرفض اللّعب بقواعد “بيلكينغز”. سوينكا لم يتظلم أو يستعطف. بل، كعادته، قلب الطاولة وحوّل المشهد إلى مسرحه الخاص. رده على رسالة القنصلية التي أبلغته بمنعه من دخول أمريكا كان بأنه “غير مهتم”، وأعلن أن “جمهورية إيجغبا المستقلّة” (مؤسسته الثقافية في أبيوكوتا) تمنح كل الأمريكيين تأشيرة دائمة متى شاءوا زيارتها، قالباً كل منطق المركز/الهامش رأساً على عقب.
عندما كان طفلاً، كان سوينكا يلقب ب “المتسائل”. وهي سمة ظهرت مراراً وتكراراً في حياة مديدة شهدته يحظى بأعلى درجات التقدير وأقسى أنواع الإدانة. وها هو في عقده التاسع، يواصل التشكيك في العالم من حوله، ويزعج أعتى الإمبراطوريات.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-11-04