خبرٌ عاجل وسبقٌ صحفي: «إنّ الرجل ليهجر»!
علي الخالدي
أشعلت هذه العبارة مواقع التواصل الاجتماعي، وملأت عواجل القنوات الإخبارية، وتصدّرت نتائج البحث و«الترند» لثلاثة أيام، في نهاية شهر صفر من عام 11 للهجرة.
«إنّ الرجل ليهجر» لم تكن جملةً عابرة، بل كانت رصاصاتٍ أُطلقت بإتقان؛ نُسجت خيوطها خلف الكواليس في غرف الإعلام المضلِّل، وأُعدّت لإغراق ساحات البث المباشر ببرامج الحوارات المربكة، والتقارير المشكِّكة، وإرباك وعي مجتمع المدينة المنورة، عبر تكرار الخبر على مسامع الناس كل ساعة، وتقديمه بوصفه خبرًا ضروريًا وفوريًا؛ حتى بات، بعد ثلاث ليالٍ، من المسلّمات أن الرجل ــ حاشاه ــ قد خَرِف، وفقد جزءًا من ذاكرته نتيجة الإغماء والصرع.
«إنّ الرجل ليهجر» كانت إحدى أدوات التضليل التي يستخدمها الإعلام، وحتى الإعلام المعاصر، من خلال إثارة ما يُسمّى اليوم بـ«بالون الاختبار»: وهو إطلاق رأي أو خبر ذي مردود سلبي على المجتمع، ثم مراقبة مدى انتشاره وتقبّله؛ فإن مرّ الخبر من دون رفضٍ أو مقاومة من البيئة، فقد تحقّق الهدف.
وهذا تحديدًا ما عمل عليه الإعلام المناهض للنبي:
أولًا: التهيئة الذهنية المسبقة للأمة، لتهيئة الأرضية النفسية لقبول ما سيسوقه لاحقًا «مكتب إعلام السقيفة»، بحيث تصبح البيانات والمواقف الصادرة عنه هي المرجعية الحصرية التي تُتلقّى من خلالها الأخبار والتوجيهات.
ثانيًا: إذا كتب النبي محمد صلى الله عليه وآله وصيةً، أو أصدر أمرًا ولائيًا، بعد الضجة التي أحدثها «ترند: إنّ الرجل ليهجر»، فسيكون من السهل ضرب تلك الوصية أو الأمر، والطعن في صدوره وعدم تصديقه؛ فقد جرى، عبر التكرار، تكوين صورة نمطية في الذاكرة الجمعية، مفادها أن الرجل مريض، وأنه لم يعد قادرًا على جمع مدارك الإفتاء واتخاذ القرار.
إذن، لا يوجد إعلامٌ بريء.
فما تظهره مانشيتات الصحف، وأشرطة الأخبار العاجلة، قد تختبئ خلفه قصصٌ وحكايات، وقد تُدفن تحت عناوينه حقائقُ وأصواتٌ ومواقف، بل قد يُدفن تحتها آلاف البشر.
نعم لا تبدأ صناعة الرواية الكاذبة يوم تُعلن النتيجة؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يُعاد تشكيل وعي الناس، وتُصنع الصورة النمطية، ثم يُترك الخبر ليؤدي مهمته.
فالسبق الصحفي ليس دائمًا في نقل الخبر…
بل قد يكون في صناعة البيئة التي ستُصدّق الخبر.
2026-08-11