جردة حساب…!
سعادة مصطفى أرشيد*
كانت المسألة الفلسطينية في السادس من تشرين الأول 2023 في أدنى حالاتها، حالة انقسام جعلت من غزة شبه مستقلة ترفع شعار المقاومة وتمارسها وهي محاصرة لأكثر من عقد والحالة الاجتماعية التي جعلت المجتمع الغزي يعيش في أزمة دائمة، أما الضفة الغربية فتعاني من استيطان وترهّل، تخللتهما حروب أدّت إلى تهجير داخلي وتدمير واسع وحالة من الانهيارات الاقتصادية كترهل الإدارة وغياب الانتخابات فيما يتغوّل فيها الاستيطان وتسلح الحكومة (الإسرائيلية) ميليشيا عدوانية من المستوطنين تحمل صفة رسمية، فيما لا تشفع سياسات التنسيق الأمني ومهادنة الاحتلال التي تمارسها السلطة الفلسطينية لها، (فالإسرائيليون) يعملون على إضعافها وإظهارها بمظهر العاجز أمام شعبها حتى أنها لم تعد تستطيع دفع رواتب الموظفين العاملين لديها.
في تل أبيب كانت حكومة يمين – اليمين التي تشكلت في نهاية العام 2022 تعلن صراحة أنها حكومة مختلفة عن الحكومات السابقة فهي حكومة حسم الصراع، وذلك بأنها ستجهز على المسألة الفلسطينية وتدفنها وتضم الضفة الغربية (يهوذا والسامرة) وتطرد أصحابها للأردن، حيث بإمكانهم إقامة دولتهم وقد بدأت العمل على مخطط هذا الذي كانت ستكون انطلاقته الكبرى والجدّية في مطلع العام 2024.
أما على المستوى الدولي فقد تآكلت صورة المسألة الفلسطينية ولم يعد يهتم بها أحد؛ فالعرب منخرطون بالإبراهيمية وبالصراع مع إيران ومحور المقاومة، فيما العالم منشغل بأزمات يراها أكثر جدية وخطورة، في بحر الصين وتايوان وفي أوكرانيا وفي أميركا الجنوبية والعالم محكوم من قبل الولايات المتحدة ولم يعد هناك أي أدوار لغيرها في مشرقنا إلا بالهوامش التي تسمح بها لهم واشنطن.
في صبيحة السابع من تشرين الأول 2023 عادت فلسطين إلى صدارة الأحداث العالميّة واستردّت ما كان لها من مكانة واهتمام باعتبارها مسألة صراع من أطول الصراعات في العالم الحديث وثبت جلياً أن هذا العدو القويّ المدجج بأقوى أنواع السلاح والذي يتلقى دعم أعظم الدول من الممكن هزيمته، لا بل وأن سلاحه الأقوى ليس في كل ما تقدّم بقدر ما هو في تخاذلنا وهواننا. وسادت حالة عالمية من التضامن مع فلسطين نابذة وعازلة “إسرائيل” التي لم تجد مَن يقف معها علانيّة إلا الولايات المتحدة.
أعلنت “إسرائيل” الحرب الواسعة على غزة محدّدة أحداثها بإعادة تشكيل الشرق الأوسط باعتبار أن الاتفاق الانجلو فرنسي (سايكس – بيكو) قد تجاوز عمره قرناً من الزمن ولم يعد صالحاً للإضافة إلى أهداف أخرى على رأسها إطلاق سراح أسراها عنوة ودون قيد أو شرط وسحق المقاومة الفلسطينيّة فيزيائياً بقتل مقاوميها ونزع سلاحها، ونفسياً بكي الوعي الفلسطيني ونشر عقيدة الاستسلام والقول إنّ المقاومة هي سبب القتل والخراب والمجازر ثم إعادة احتلال غزة وإعادة هندسة مجتمعها بإدارة متعاونة مع الاحتلال وقد استجدّت أهداف أخرى بتهجير أهل غزة وتحويلها إلى ريفيرا سياحية وفنادق ومسابح راقية وصالات قمار…
في جردة حساب ماذا حصل؟ تم تبادل الأسرى باتفاق وإثر مفاوضات مع المقاومة لا بالقوة التي لم تستطع العثور عليهم، وبقي في غزة من السكان أضعاف مضاعفة مما غادرها أثناء الحرب والقسم الأكبر من المغادرين هم الآن في طريقهم للعودة، وبقيت المقاومة موجودة تحمل سلاحها وتقاتل إن تطلّب الإمر كما حصل يوم السبت الماضي، وهي من يضبط الأمن وينظم الأسواق ويعاقب العملاء ومحتكري السلع الغذائية، ولا زالت الحاضنة الشعبية للمقاومة تلتف حولها برغم ما عانت من أحوال الحرب والنتيجة الأهم أن عداءها للمشروع المعادي قد ازداد بمقدار ازدياد التحامها بالمقاومة.
لم يستطع الإسرائيلي تحقيق أي من أهدافه وإن استطاع أن يحقق صورة القتل والدمار التي شاهدها العالم، فيما استطاعت المقاومة تحقيق صورة المظلومية والصمود والبقاء، ففي هذه الحروب غير المتكافئة تنتصر “إسرائيل” إن حققت كمّ أهدافها أو حتى بعضاً منها فيما لا تكون مقاومة منهزمة طالما هي محافظة على بقائها.
المدافع لم تصمت بعد والجولات المقبلة أكثر من تلك الماضية وإن اختلفت أشكالها.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير – جنين – فلسطين المحتلة
2025-10-22