كتابُ الحروف..
ما رآه الفارابى قبل كريستوفر نولان..
وما عاد به “عرابى” من المنفى
كريم عبد السلام*
رأى الفارابى، بعد أن نفدَ زيتُ السراجِ، الكونَ كلَّه بين “أين” و”متى”، وكتبَ فى الظلامِ على الرقِّ الذى بين يديه: “المكانُ عَرَضٌ.. والزمان جَوْهَرٌ”، فأمر سعيد باشا بإلحاق أبناء المشايخ والأعيان بالجيش، للمساواة بين الشركس والمصريين، لكنّ صوتَ توفيق سُمع عاليًا فى مواجهة “عرابى”: “ورثتُ هذه البلادَ.. وما أنتم إلا عبيدُ إحساناتنا”، فيما كريستوفر نولان يخيط الزمنَ، ليجعل أوبنهايمر بطلًا وعاشقًا سيئَ الحظ، ويضع هيروشيما وناجازاكى على رأس ترومان وحده، رغم أن أوبنهايمر من كان يعرفُ نهايةَ العالم..
ماذا يُمسك الأرضَ عن السقوط؟
النوستالجيا التى نمضغها مع القهوة السوداء
الليلُ الذى يهبط يوميًا على المرارة فى حلوقنا لأنّ العالم غادرٌ غادرٌ
أوهامُنا عن أنفسنا نبتلعها مع البنادول لمواجهة الصداع النصفى
الشروقُ الذى يأتى فى موعده فتنهض الأسواق ويتعالى صياحُ البائعين
ويواصل الغرقى تجوالهم بمحاذاة الضفاف
فيما تذوى المدنُ وتبتلع سكانَها تدريجيًا
رأى الفارابى أن الوجودَ لابد أن يلتئم بين دفَّتى كتابٍ، ليتوقفَ محوُ المكان وانقسامُ الزمان إلى وحداتٍ أصغرَ فأصغرَ، تجعل الأطفالَ يولدون شيوخًا، ولا دليلَ على أننا أحياءٌ، حتى إن السير أوكلاند كولفن، يدير المفاوضات رائحًا إلى الخديوى فى قصر عابدين وغاديًا إلى عرابى ومن ورائه إلى القاهرة، إلى أن رضخ الخديوى وأقال عثمان رفقى، وظن الطيبون أن النصرَ غالبٌ على الزمن ما دام الهواء يحمل “لا نُورث ولا نُستعبد بعد اليوم”، وتجاهلوا اغتيالَ جمال حمدان مرتين.
النسيانُ يجعل الجبالَ تغوص فى الأرض السابعة، وجليدَ القطبين يغرق الشواطئ، والمحتلَّون يُبيدون أصحابَ الأرض، والأساطيلَ تدكُّ الإسكندرية بمدافعها، والإنجليزَ يدخلون على عربات مصفحة من كفر الدوار إلى التل الكبير، وديليسبس يخدع الثوار ويسمح بمرور الأسطول الإنجليزى، ليصدرَ الحكمُ بإعدام عرابى ورفاقه وينتشر مصطلحُ “الهوجة”، فيما كريستوفر نولان يصنع تمثالًا لأوبنهايمر وهو يتسلم الجائزة من جونسون بعد عشر سنوات من الجنون..
ما الذى يمنع العالمَ من الفَنَاء؟
أهى الصحراء التى تبتلع خيالَنا عن المستقبل؟
أهو الحزن الرخيص الذى نُغرق فيه أيامَنا وكلماتِنا؟
أهى الأكياس البلاستيكية السوداء التى خبأنا فيها تصوراتنا عن الجنة والنار وما بينهما من حياة افتراضية؟ أهو الحجر الذى نتشاجر تحته، فى تلك الحديقة الموحلة فى المدينة المهجورة فى البلد المتدحرج باتجاه المجاعة؟
أم أننا قد فَنِينا فعلًا والخبر سوف يُنشر فى طبعاتٍ تالية..
حتى ينشئَ الفارابى “كتابَ الحروف”، كان عليه أن يعودَ للزمان الأول، عندما كان الماضى والمستقبل حصانين مجنَّحين لا يفترقان ويمكنهما الطيرانُ لمسافات طويلة دون تعبٍ، الماضى أسودُ فاحمٌ والمستقبل أبيضُ فضىٌّ، ويَظْهران لجميع الكائنات فى الوقت نفسه
آنذاك، لم يكن الإنجليزُ قد شنقوا الناس فى دنشواى، ولم ينفجر تشرنوبيل، والمغول لم يحرقوا مكتبة بغداد ويافا وملجأ العامرية، ولم تغرق أتلانتس أو تظهر أستراليا، والأخوان لوميير لم يخترعا السينما، ولم يكن سؤال هاملت شكسبير قد شاع بين المثقفين
ولم يكن الناسُ يعرفون “متى” أو “كان”، الفاكهة تتدلى من الأشجار والنساءُ يمررن أصابعهن فى مياه الأنهار ويغنين أغانىَ ساحرة، والرجالُ بعيدون عن الاكتئاب، والموتُ مقيدٌ بالسلاسل فى كهفهِ البعيد.
كانت اللغة وحروفُها متجسدةً فى طيورٍ فريدةٍ، بقىَ منها الطواويسُ، لأن الإنسان لا يدرك الجسرَ بين الكلمات والموجودات ولا يحيط بالمعانى الثوانى، ولايصنّف معاجم للملذات والبكاء، أما الأصواتُ فكانت نغماتٍ متفاوتةَ الطبقات عند الشروق وأمام البحر وعند الغزل والمضاجعة..
وظلت اللغة تتحرك فى طيورها، وكلما استطاع الإنسانُ اكتشافَ كلمةٍ، تجمعتِ الحروفُ وتناسقت كما يستعرض الطاووس ذيله، إلى أن يزولَ تأثيرُ أصواتها فتختفى الريشاتُ الملونة فى بدن الطاووس من جديد، ويعود عرابى من منفاه الطويل ومعه شجرة المانجو التى عرفتها البلاد لأول مرة، ويحصد كريستوفر نولان تسعَمِئة مليون دولار..
أدرك الفارابى أن مهمته حفظ ُالوجود فى “كتاب الحروف”، وإحاطةُ العالم بكثير من المقولات وأسئلة الماهيات، لأن ما حدث فى الطوفان الكبير كان حدًا فاصلًا بين وجودين..
ومن الأفضل للناس أن يعيشوا قطعانًا تعرف الخوف وترهب الموت، أو يقضوا أعمارهم وهم يجربون أصواتهم آلاف المرات، حتى يعثروا على كلمة واحدة من الكلمات القاهرة
التى تحمل الوجود.
——————
*شاعر مصرى
** من ديوان “أيها القارئ السعيد .. ماذا فعلتْ الحملانُ بالذئاب”
2025-10-08