الموصل.. عصرها الذهبي يبحث عنها!
اضحوي جفال محمد*
في العراق عموماً وعندنا خصوصاً لا يحبذ المزاج العام إزجاء الثناء على منجز من المنجزات كي لا يخدم الثناء الحكومة او الطبقة السياسية التي تواجه كثيراً من الرفض. ولست هنا في وارد تبرئة الحكومة من سيئاتها ولا تبرئة الجمهور الذي صوّت لها من انحرافاته التي يتقدمها عدم إقراره بأي حسنة وأي إيجابية.. حتى الإيجابيات التي لا فضل للحكومة فيها يتحاشى البعض ذكرها خوفاً من القمع الفكري السائد.
مدينة الموصل الآن، ورغم التغاضي المريب عن جمالها المتجدد، من أجمل مدن العراق، تتقدم بوتائر غير مسبوقة، وتشهد في كل يوم جديداً أخاذاً، وتنافس على المراتب الاولى بين جميع مراكز المحافظات. تلك حقيقة يراها كل ذي عينين ويتوقع المزيد. الجزء الأكبر من صعودها العمراني حققه أهلها المواطنون من بين أنقاض الحرب وركام الدمار شيدوا تحفاً فنية لا يسعك إلا أن تقف حيالها مبهوراً. والجزء الآخر يعود فيه الفضل إلى فرسان دائرة البلدية بقيادة بطل إعمار الموصل المهندس عبد الستار الحبو، فهل نغمطهم حقهم من الإطراء كي لا نكون قد مدحنا الفاسدين!؟.
هذا المتحقق هو الجانب المادي من نهضة المدينة، فهل توازيه روح وثابة بذات السرعة والحجم والإبداع؟ روح المدينة التي ستضيء الآفاق هي الثقافة، وهي حتى الآن أقل بكثير من لوحات البناء الزاخرة.. فهل علينا انتظار السياسة التي ننتقدها لتبعث في مدينتنا نهضة حضارية بمستوى تراث نينوى وتضحياتها وطاقات شعبها؟.
انها مهمة المواهب الخلاقة كي تتفجر وتعبر عن نفسها ومكنوناتها عبر حركة ابداع شاملة تتردد أصداؤها في الجهات الاربع. فالعطاء الحضاري لا يأتي بقرار سياسي ولا بأمر اداري ولا بجهد عنصر واحد من عناصر الحياة المتشابكة، بل نتيجة عوامل كثيرة أرى أنها متوفرة الآن في المشهد وجاهزة لإشعال فتيل الانطلاق.
ماذا يمنع ذوي العقول المتفتحة والسواعد المثابرة من تحويل ام الربيعين إلى ربيع كرنفالات للفنون والآداب والعلوم والمعارض وكل صنوف المسابقات، بصرف النظر عن توفر الدعم الحكومي من عدمه! وكثير من النشاطات لا تحتاج دعماً بل تدر مالاً. ألم تروا موصليين يسافرون إلى محافظات بعيدة لحضور حفل غنائي او عرض مسرحي او لقاء ثقافي يدفعون له مبالغ كبيرة؟ فما الضير لو نظمت مثل هذه الفعاليات داخل الموصل وبيعت لها بطاقات بما يغطي تكاليفها او أكثر!. مثل هذه المبادرات لا تشترط في القائم بها أن يكون شاعراً أو مغنياً او ممثلاً او مفكراً او حتى مالك لقاعة مناسبات.. تحتاج فقط شباباً يحبون ان تكون الحدباء في الصدارة ويجري الحماس في صدورهم ليكونوا لولب الحركة الثقافية ويشيدوا عاصمة للثقافة دون منّة من حزب او ميليشيا او ممول. فالمدن العربية المشهورة الان بمهرجاناتها ليست أفضل منّا بشيء، بل ان الموصل متفوقة على أغلبها في الجانب الاهم، وهو الجمهور المتفاعل وعياً وذوقاً وجيباً.. ثم تتلاقح روافد الثقافة فينشأ العصر الذهبي لمدينة اعتادت أن تقوم دون مساعدين وتسير إلى أمام بالغريزة المدركة. واقتداءً بالدور المتميز لجامعة النور، ومؤسسة بيتنا لحفظ التراث، وبالجهد الفردي للسيد أيوب ذنون في بيت التراث تستطيع الجمعيات والنقابات والهيآت وأشخاص مشحونون بالتنمية الحضارية أن يقودوا مشروعاً نهضوياً كهذا يرسخ في تاريخ المدينة.
فهل عرفتم الان لماذا يتعاضد جميع المتعاضدين لمنع المطار من الطيران؟.
أما انتم أيها الناشطون الذين احترفتم منازلة السياسيين وفضح مفاسد الفاسدين: أهيب بكم إلى ساحة نزال أرحب تكونون فيها أنتم الفاعلون.. والسياسي يلهث وراءكم. لا أقول كفّوا عن توجيه سهام النقد للفاسد والمقصر والمسيء وانما ادعوكم لواجب آخر تنجزون فيه منجزاً لا ينافسكم عليه أحد برفع الموصل إلى مصاف جرش وبعلبك وصلالة وقرطاج، مؤقتاً، ثم السمو أعلى وأعلى.. وان لم تفعلوا سيفعل غيركم لأن الظروف عندما تنضج تنجب جنودها من رحم الواقع الواعد.
( اضحوي _ 2259 )
2025-10-08