الحرب تدخل عامها الثالث وتبدو مستمرة…!
سعادة مصطفى أرشيد*
مارَس الوسطاء العرب دورهم غير المحايد في حقيقة الأمر بين المقاومة الفلسطينية وحكومة الاحتلال، وكان الأكثر بروزاً في السلوك العربي هو الأسلوب الذي اتبعه الوسطاء في دفع المقاومة للقبول بالشروط الأميركية – الإسرائيلية، أيّ القبول بالاستسلام الكامل. وهذه الشروط بدورها تنسجم بالأساس مع مصالح ورؤى هؤلاء العرب. وكان يتمّ تبرير تلك الضغوط باعتبارها مسألة أخلاقية وإنسانية تهدف إلى وقف حرب الإبادة والتجويع التي اكتوى بنارها الشعب الفلسطيني في غزة.
يبرّر هؤلاء الوسطاء ضغوطهم بأنها تهدف إلى إضافة إلى وقف الحرب وكوارثها، إلى سحب الذرائع من دولة الاحتلال وفي الوقت ذاته كان الإعلام المرتبط بالنظام العربي الوسيط هذا يشيطن المقاومة ويريد أن يجعل من أي خيار للمقاومة مشكلة، فالقبول بوقف إطلاق النار مشكلة لأنها هزيمة جاءت نتيجة لمغامرة تسببت بالموت والجوع والدمار والتهجير للشعب الفلسطيني؛ أما إذا رفضت المقاومة فهي أيضاً مشكلة، لأنّ المقاومة حينئذ تكون انتحارية، عدمية، عبثية، وفي كلتا الحالتين فإنّ المقاومة برأيهم هي مَن تتحمّل وزر الخراب والجوع والدمار ومسؤولية الدم الفلسطيني المُراق.
أرادت خطة ترامب التي توافق عليها مع ضيوفه من القادة العرب والمسلمين ثم في لقائه مع بنيامين نتنياهو أن تحقق ما عجز جيش الاحتلال عن تحقيقه بالقوة الغاشمة، فليس من الواضح في الخطة إنْ كان الإسرائيلي سينسحب من غزة لا بل من المؤكد أنه باقٍ كقوة احتلال، والحرب لن تتوقف بعد إطلاق سراح الأسرى وإنما ستتصاعد على نحو أكثر دموية ولن تعدم “إسرائيل” الذرائع لتوسيع الحرب، كما أنا واشنطن لن تعدم من إيجاد مبررات لـ “إسرائيل”، وأبواب الحرب ستكون مفتوحة على مصراعيها، وها هي الخطة الأميركية العربية الإسرائيلية تفكّر بطريقة مبتكرة لإدارة غزة باستعمار من نوع غير مسبوق.
لكن ردّ المقاومة المدروس بعناية استطاع إعادة إلقاء كرة اللهب في الملاعب المضادة الأميركية والعربية والإسرائيلية على حدّ سواء، فقد جاء على طريقة نعم موافقون، ولكن مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة ومع الوقف الشامل لإطلاق النار ومع ضرورة التفاوض حول نقاط أخرى تراها المقاومة إلى حد ما معقولة، ولكنها تريد إدخال تعديلات عليها.
المقاومة ترى أنّ مبادرة ترامب لا تستهدف حماس بقدر ما تستهدف كامل المسألة الفلسطينية برمتها. وبالتالي كان عندها استعداد أن تخرج من المشهد ولكن لصالح طرف فلسطيني بعد وفاق وطني أو حتى برنامج حدّ أدنى، وأكثر من ذلك حتى لصالح السلطة الفلسطينية التي لا تتفق معها، ولكن ليس لصالح آخرين من أطراف أجنبية أو عربية ـ إبراهيمية تمثل قناعاً لدولة الاحتلال وتحاول من خلال ضغطها على المقاومة أن تحجز لنفسها مقعداً على مائدة الرئيس الأميركي. المقاومة ترى أنّ الحفاظ على المسألة الفلسطينية وعلى وقف حرب الإبادة مصلحة عليا حتى لو كان هل حسابها كحركة، وبالتالي قبلت حتى بلجنة تكنوقراط فلسطينية، ولكنها تدرك تماماً أن الهدف هو عزلها.
فالمقاومة الفلسطينية وأنصارها يرون في مبادرة الرئيس الأميركي ترامب أنها لا تكتفي باستهداف المقاومة في غزة وإنما تستهدف غزة الوطن والجغرافيا والديموغرافيا (السكان)، لا بل إنها تستهدف تصفية المسألة الفلسطينية برمتها، وكانت المقاومة قد أعلنت مراراً وتكراراً استعدادها للخروج من صدارة المشهد، ولكن لصالح طرف فلسطينيّ بتوافق عام ولو على برنامج حد أدنى إن لم يكن برنامج وفاق وطنيّ لا بل وحتى للسلطة في رام الله التي لا تتفق معها، ولكنها لا تتنازل لحساب أطراف خارجية أجنبية كانت أم عربية تمثل قناعاً لدولة الاحتلال ويحاول قادتها أن يحجزوا لهم مقعداً لدى الإدارة الجمهورية في واشنطن من خلال تسهيل وتشريع ضرب المقاومة الفلسطينية.
فيما ترى المقاومة بإطارها القومي العام أنّ مبادرة ترامب هذه تتجاوز في دورها المسألة الفلسطينية لتصل إلى ضرب القضية القومية والإقليم وامتدادات محور المقاومة، فالأعداء يرون أن انكفاء المحور هو أمر مؤقت طال الزمن أم قصر، وترى أن ترامب يريد شرق أوسط جديداً كان نتنياهو قد أعلن عن ضرورة تشكيله في مطلع الحرب، هذا الشرق الأوسط الجديد يريدونه بعد أن استنفد المشروع الغربي القديم (تقسيم سايكس – بيكو) أغراضه فلا بد من تقسيم جديد لا على حدود ترسم على عجل، وإنما على حدود ترسم حسب الطوائف والإثنيات وتكون دولة الاحتلال هي القائد والرائد فيها.
لا يستطيع أحد أن يجادل أنّ وقف الحرب مكسب كبير، وأن جرائم الإبادة الجماعية والتجويع يجب أن تنتهي، وأن ذلك أولوية ولكن السؤال المشروع: هل ستتوقف حرب الإبادة هذه إنْ وافقت المقاومة على تقديم التنازلات الكبيرة المطلوبة منها؟ الجواب هو لا كبيرة فنتنياهو وفريقه الوزاري قد أصبحوا يرون أنّ الحرب وتواصلها في غزة وفي الضفة الغربية والشام ولبنان والعراق واليمن وإيران هما هدف بحدّ ذاته لا وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-10-08