الحق بين ثبات الفلسفة وانكسار النخبة!
خالد عطية
يكتب الدكتور إياد البرغوثي نصّه الأخير بجرأة نادرة، “الفلسطينزم ” والسؤال الأساس للمثقف ، ملتقطًا اللحظة التاريخية التي تعيشها فلسطين لا كقضية إقليمية أو مأساة وطنية وحسب، بل كمعيار كوني يعاد من خلاله تعريف الحق والعدالة والإنسانية. ما يسميه بـ”الفلسطينزم” ليس مجرد اصطلاح بل وعي جديد، يتجاوز حدود فلسطين ليصبح أفقًا للبشرية وهي تبحث عن نظام عالمي أكثر إنسانية، أكثر أخلاقية، وأكثر عدلاً.
المفارقة التي يعريها البرغوثي بعمق مؤلم هي أن هذه اللحظة ذاتها، التي يرتقي فيها الوعي العالمي إلى الدفاع عن الحق الفلسطيني، تقابلها في الداخل الفلسطيني والعربي حالة نكوص فكري. بدلاً من أن يكون النقاش حول سبل استعادة الحق، أو حول أشكال المقاومة الممكنة، ينحدر النقاش عند بعض النخب إلى التساؤل عن جدوى الحق نفسه، وإلى “التحذير” من التمسك به، بل وتخيّل مكاسب مفترضة في حال التخلي عنه.
هنا يضعنا البرغوثي أمام مأزق النخبة: ليست المشكلة في الانكسار النفسي بحد ذاته، فهو مفهوم في ظروف ميزان القوى المختل، بل في تحويل الانكسار إلى رؤية، والهزيمة إلى نظرية، والتراجع إلى إعادة تعريف لمفهوم الحق نفسه. إن التنازل التكتيكي ممكن ومفهوم، لكن تحويله إلى موقف فلسفي يعيد صياغة الحق وكأنه ليس حقًا هو الجريمة الأكبر.
بهذا المعنى، يصبح النقاش حول “الممكن” لا مجرد انحراف سياسي، بل انتهاك فلسفي وتاريخي: فالحق، كما يؤكد البرغوثي، قيمة ثابتة إنسانيًا، جغرافيا، وتاريخيًا. هو ملك للأجيال، ولا يجوز لأي جيل أن يصادره أو يعبث به. إن اختزال الحق في المتاح، أو اختصاره فيما تسمح به اللحظة الراهنة، هو قتل للزمن، ومصادرة لحق الأجيال القادمة، واستسلام لبنية القوة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها.
ومن هنا تتضح طبيعة المشروع الصهيوني كما يراها البرغوثي: ليس مجرد مشروع توسعي ينتظر “أخطاء” الفلسطينيين، بل مشروع إمبريالي ثابت في أهدافه واستراتيجيته، سابق على كل سلوك فلسطيني. إن جوهره هو إعادة تعريف الحق الفلسطيني من أساسه: ليس المطلوب من الفلسطيني أن يتخلى عن المقاومة فقط، بل أن يعلن أن ما قام به لم يكن حقًا بل خطيئة، وأن مقاومته لم تكن نضالًا بل إرهابًا. هذه هي المعركة الحقيقية، معركة الرواية، التي تدور حول مَن يملك الحق في تعريف الحق.
هنا تبرز خطورة المثقف العربي والفلسطيني الذي يتبنى – عن وعي أو عن وهم – سردية “العقلانية” المزعومة. إن “المحلل” الذي يبرر الهزيمة، ويستخدم الضحايا لإثبات صحة استسلامه، لا يقوم بدوره كمثقف، بل يتحول إلى منتج لوعي مهزوم يخدم العدو أكثر مما يخدم مجتمعه. بينما مهمة المثقف، كما يلح البرغوثي، هي أن يقف في الصفوف الأمامية مع الوعي العالمي الناهض، وأن يفكك أسس المشروع الصهيوني النظرية والأخلاقية، لا أن يبرر وجوده.
لقد نجح البرغوثي في أن يعكس التناقض الفج: في اللحظة التي يدرك فيها العالم خطورة الصهيونية ويكتشف جوهرها العنصري الإبادي، نجد مثقفًا عربيًا أو فلسطينيًا يتصرف بعكس البديهية، محمّلًا الضحية مسؤولية جريمة جلادها. هذه ليست عقلانية، بل اغتراب كامل عن الرسالة التاريخية للمثقف.
إن قوة نص البرغوثي تكمن في أنه لا يتحدث عن التكتيك ولا عن السياسة اليومية، بل عن جوهر المعركة الفكرية: معركة الحق ذاته. من هنا، يصبح السؤال الذي يطرحه سؤالاً وجوديًا: هل المثقف الفلسطيني/العربي سيبقى أمينًا لجوهر الحق، أم سيغدو أداة في يد المشروع الذي يريد محو هذا الحق من الوعي؟
بهذا يضع البرغوثي إصبعه على الجرح: الحق لا يموت، لكنه يمكن أن يُشوَّه إذا خانته نخبته.
2025-09-26