نخجل من الحياة لأن غزة تموت!
(من سلسلة: خلف الجدران٤)
وفاء درباس
في المخيم، صرنا نعيش بحذر.
نتنفس ببطء، نضحك بخجل، نحلم ثم نلغي الحلم قبل أن يكتمل في خيالنا.
ليس لأننا لا نستحق، بل لأننا لا نعرف إن كان يليق بنا أن نحيا
وغزة تذبح على مرأى العين.
نخجل من الرغيف الساخن إذا اشتممنا رائحته،
من كوب الماء إذا كان نقيا،
من شمعة لم تنطفئ بعد.
نخجل من لحظة فرح،
لأن خلفها صوت قصف، وطفل فقد عائلته دفعة واحدة.
في المخيم، الحياة تمشي على رؤوس أصابعها.
الأمهات تخفي دموعها،
والآباء يضحكون وهم مفلسون.
الفرح يُخبَّأ تحت الوسادة،
والأغاني تغنى بصوت منخفض إن غنيت أصلا.
صار الموت في غزة أكبر من أن نحتمله،
وأكبر من أن نجاوره ونحن أحياء.
قال سامي، شاب في العشرين من العمر:
“ما بدي أسافر، بس كمان ما بقدر أعيش.
بحس كل شي بعمله ناقص.
كأنّي عم أعتذر وأنا عايش.”
نحن لاجئون لا نملك الحق في الوطن،
ولا حتى في الحزن الكامل.
ممنوع نبكي وحدنا، ممنوع نحكي، ممنوع نثور.
وإن بكينا، يقولون: “غزة أولى.”
وإن حلمنا، يقولون: “غزة تنزف.”
وإن اشتكينا، يقولون: “لا وقت للشكوى، هناك من يموت.”
لكن من قال إننا نعيش؟
من قال إننا لا نموت نحن أيضا ببطء؟
في المخيم، كل شيء موقت.
الحنان، الكهرباء، المعونة، الضحكة، حتى الهواء له وقت محدد.
نكتب على الحيطان أسماء الشهداء، ثم نمسحها بصمت.
نرسم علم فلسطين على جدار مبلل، فيذوب اللون مع المطر.
نربّي أطفالنا على البقاء لا على الحياة.
نرضعهم وجعا خفيفا كي لا يتعبوا منه لاحقا،
ونقول لهم منذ الصغر: “غزة مش بعيدة… غزة أنت.”
قالت أم رامي، وهي ترتب ثياب ابنها الشهيد في صندوق صغير
“ما بدي ابني يكون رقم.
بدي لما يكبروا أخواته يعرفوا إنو كان يحلم.
كان بده يفتح مكتبة بالمخيم.
مش لازم أحلامه تموت كأنها ولا شي… متلنا.”
نخجل من الشاي الساخن،
من صورة حفلة تخرج،
من رغبة خافتة في الهروب.
نحاول أن نعيش بلا شهية،
كي لا يحسب علينا أننا اخترنا النجاة،
بينما هناك من اختار أن يدفن تحت بيته.
في المخيم، لم نعد ننتظر المنظمات، ولا التصريحات، ولا التنديدات.
صرنا ننتظر فقط أن يقال لنا إننا لسنا خونة لمجرد أننا نجونا.
ننتظر أن نسامح على ضعفنا،
أن يغفر لنا هذا التنفس الثقيل،
أن نفهم: هل يسمح لنا بالحياة… إن كانت ناقصة؟
نحن نعيش في الظل احتراما لمن احترقوا تحت الضوء.
لكن الظل طويل أطول من قدرتنا على الاحتمال.
خلف الجدران، لا يسكن فقط الفقر،
بل يسكن الذنب، الخذلان، الخوف من الحياة.
يسكن صوت مكتوم يقول كل صباح
“غزة تستحق الحياة، ونحن؟”
نحن لا نطلب كثيرا.
نحن فقط نريد أن نعيش دون أن نخون.
نريد أن نحلم دون أن يُلقى اللوم علينا.
نريد أن نكمل الطريق لا عوضا عنهم، بل وفاء لهم
2025-09-15