حكومة فرانسوا بايرو في مهب الريح: فرنسا كأنها “إيطاليا الجديدة”!
قرار رئيس الوزراء الفرنسي بالدعوة إلى تصويت على الثقة يوم 8 سبتمبر/أيلول، والذي من المتوقع أن يخسره، يفتح الباب أمام تجدد مناخ عدم اليقين السياسي ويثير أسئلة حول استقرار نظام الجمهورية الخامسة بكليته
سعيد محمد*
تعيش فرنسا، مع السقوط الوشيك لحكومة فرانسوا بايرو، في خضم أزمة بنيوية عميقة تتجاوز بكثير موضوع تشكيل الحكومات والخلافات السياسية، لتهدد أسس نموذجها الرأسمالي النيوليبرالي، وتكشف عن حجم التناقضات المتفجرة والصراع الطبقي المحتدم في نظام الجمهوريّة الخامسة (التي أسسها تشارلز ديغول): صراع بين مصالح رأس المال المعولم بواجهته الرئيس إيمانويل ماكرون، والطبقة العاملة الفرنسيّة التي يُراد لها أن تتحمل تكلفة أزمات وسوء إدارة لم تسببها. هذه اللحظة المفصلية تشهد تحوّل فرنسا من ركيزة للمشروع الأوروبي إلى “رجل أوروبا المريض” الجديد، وهي بذلك تواجه خطر السير على خطى إيطاليا في عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المزمن، مع فارق جوهري هو أن ارتدادات هذا الزلزال قد تمتد لتمس القارة برمتها.
الفتيل الذي أشعل هذه الأزمة كان خطة الميزانية التي طرحها بايرو، والتي تهدف إلى كبح جماح دين عام متزايد – وصل إلى 114% من الناتج القومي الإجمالي – عبر “توفير” 44 مليار يورو يأتي معظمها من خلال السطو على مكتسبات الطبقة العاملة والطبقة الوسطى. الإجراءات المقترحة، مثل إلغاء عطلات رسمية وتجميد الإنفاق العام، لا تهدف إلى تحقيق “الملاءة المالية” كما يزعم بايرو، بل إلى نقل عبء الدين العام الهائل – الذي تراكم نتيجة سياسات إنقاذ مصارف الأثرياء والتخفيضات الضريبية السخية للشركات الكبرى ودعم الاقتصاد في فترات جائحة كوفيد وأزمة الطاقة بعد فرض العقوبات على روسيا إضافة إلى تاريخ طويل من عجز هيكلي سببه بنية الاقتصاد الفرنسي ذاتها: قاعدة صناعية متراجعة، بطالة شبابية متزايدة، وضغوط ديموغرافية على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية – من كاهل الطبقة الحاكمة إلى كاهل العمال والموظفين والطبقات الأقل حظاً. هذه الإجراءات، قوبلت برفض واسع من قبل الأحزاب المعارضة، يسارها – الجبهة الشعبيّة: حزب(فرنسا العصية) والاشتراكيون والشيوعيون والخضر – واليمين (التجمع الوطني)، فيما سبعة من كل عشرة فرنسيين، بحسب الاستطلاعات، يؤيدون الآن اسقاط الميزانية وصاحبها معاً.
تصريحات كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، حول “القلق” من انهيار الحكومة الفرنسية ومراقبتها الحثيثة لتكاليف اقتراض باريس، تكشف بوضوح عن الجهة الحقيقية التي تخدمها هذه السياسات. فبيروقراطية بروكسيل ليست قلقة على مصير المواطن الفرنسي، بل على استقرار النظام المالي الأوروبي الذي يضمن تدفق الأرباح لرأس المال العابر للحدود. وعندما يتحدث وزير المالية عن خطر لجوء فرنسا إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي – كما تفعل دول العالم الثالث -، فهو لا يوجه تحذيراً لمواطنيه، بقدر ما يلوح بسوط رأس المال العالمي لإجبار القوى السياسية على ابتلاع الإملاءات التقشفية.
إن العجز المزمن الذي يواجهه الرئيس الفرنسي في تشكيل حكومة مستقرة، وسقوط رئيس وزرائه الثاني خلال أقل من عام، سيظلّ الطابع العام لما تبقى من ولايته الثانية (تستمر حتى 2027). لقد نجح ماكرون في 2017 في تفكيك الأحزاب التقليدية لليمين واليسار – الاشتراكيون والجمهوريون – التي كانت تاريخياً الأدوات السياسية للنخبة البرجوازية في إدارة الدولة، فيما مشروعه الوسطي التكنوقراطي، الذي مثّل تحالفاً بين النخب المالية والبيروقراطية، فشل في بناء قاعدة تأييد اجتماعي عريض. وما البرلمان المنقسم والمشلول الذي نشأ عن انتخابات مبكرة دعا إليها بغطرسة وتعجل في صيف 2024 إلا التجسيد المادي لهذا الفشل. بهكذا برلمان، لم تعد النخبة البرجوازية قادرة على الحكم عبر أدواتها التقليدية، وباتت الدولة نفسها ملعب صراع مفتوح. ولعل تصريح وزير العدل جيرالد دارمانان عن الخوف من “عودة عدم استقرار الجمهورية الرابعة والقلق على مؤسسات ديغول” هو اعتراف ضمني بأن الآلية السياسية التي تضمن استمرارية الحكم في فرنسا قد تعطلت. ولذلك فإن دعوة بايرو لإجراء تصويت بالثقة (في جلسة 8 سبتمبر / أيلول) هي صرخة يأس من نظام سياسي فقد قدرته على فرض سياساته بالقوة أو بالدهاء، أكثر منها مقامرة محسوبة.
في أجواء هذا الخلل، يلمع نجم اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان كقوة رئيسية. وبالطبع فإن صعود حزب “التجمع الوطني” لن يكون بديلاً حقيقياً للنظام القائم، بل ربما هو أحد أعراضه الأكثر خطورة، لكن غياب بدائل ثورية – بمعنى كتل سياسية قادرة على احداث تغيير نوعي – يمنح قوى أقصى اليمين الفرصة لدفع الغضب الشعبي المشروع ضد سياسات التقشف والعولمة النيوليبرالية، في اتجاهات رجعية. فبدلًا من استهداف النظام وآلياته الاستغلالية، يُقدّم المهاجرون، والأقليات، والاتحاد الأوروبي كخيالات مآتة تطلق عليها النار، فيما اليمين المتطرف في حقيقة الأمر خادم لرأس المال الوطني عبر نموذج أكثر تسلطاً وقمعاً.
إن رفض لوبان – زعيمة أكبر حزب منفرد في البرلمان لناحية عدد المقاعد – دعم حكومة بايرو يبدو الآن مناورة تكتيكية ذكية لاستغلال الأزمة والوصول إلى السلطة – رغم أنها شخصياً ممنوعة من الترشح بسبب تهم تتعلق بالاختلاس -، بغض النظر عن حقيقة أنها لا تعارض التقشف الحكومي كمبدأ. شعار “نحن الاستقرار” الذي يرفعه حزبها هو رسالة موجهة مباشرة إلى قطاعات من البرجوازية الفرنسية التي سئمت من فوضى “الماكرونية” وتبحث عن يد من حديد قادرة على فرض النظام وقمع أي تحركات عمالية أو احتجاجات شعبية، مثل تلك التي يدعو إليها اليسار والنقابات في العاشر من شهر سبتمبر أيلول/ الجاري. هذا التموضع يجعل من قوى أقصى اليمين خياراً وظيفياً محتملاً للرأسمالية الفرنسية في أزمتها، إن عزت الخيارات الوسطية الأخرى.
إن تحول فرنسا إلى “إيطاليا جديدة” – أي دولة تعاني من عدم استقرار سياسي مزمن وديون هائلة – يهدد المشروع الأوروبي برمته. فالاتحاد، في جوهره، هو بنية فوقية مصممة لخدمة مصالح رأس المال الأوروبي العابر للحدود، والمحور الفرنسي الألماني هو محركه الأساسي. عندما يصاب ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بهذا الشلل، توازياً مع الصعوبات التي يواجهها المستشار الألماني الحالي، فريدريك ميرتس، مع شركائه في الائتلاف الحاكم، فإن ذلك يرسل موجات صدمة عبر أعصاب القارة بأكملها.
وعلى كل حال، فإن الأزمة الفرنسية تعيد الإضاءة على التناقض الأساسي داخل الاتحاد الأوروبي: التناقض بين أدوات رأس المال الموحد (ممثلاً في البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية) وبين الدولة القومية التي ما زالت هي الساحة الرئيسية للصراع الطبقي. إن ضغوط بروكسيل لفرض الانضباط المالي تتصادم بشكل مباشر مع مقاومة الطبقات العاملة في فرنسا، مما يضع الدولة الفرنسية في موقف لا تحسد عليه. هذا الصراع يتجاوز الحالة الفرنسية ليكون انعكاساً لأزمة أوسع للرأسمالية الأوروبية التي تجد نفسها محاصرة بين التباطؤ الاقتصادي، والمنافسة الدولية الشرسة من الولايات المتحدة والقوى الصاعدة، والسخط الاجتماعي المتزايد.
سقوط حكومة بايرو الذي يبدو محتوماً الآن لن يكون بالطبع نهاية للأزمة، بل محض فاتحة طور آخر منها، إذ سيجد ماكرون نفسه أمام خيارات محدودة أحلاها مرّ: إما تعيين ثالث رئيس وزراء له في غضون عام – والذي سيواجه حتماً نفس المصير -، أو حل البرلمان مرة أخرى، والمخاطرة بانتصار كاسح لقوى أقصى اليمين في انتخابات مبكرة. إنها لحظة صعبة يمكن أن تدفع بنظام الجمهورية الخامسة بكليته إلى حافة الانهيار، وستتابعها مع الفرنسيين – بداية من يوم الاثنين المقبل – عواصم أخرى كثيرة تخشى التبعات.
لندن
2025-09-04