قواعد لعبة جديدة في أوروبا!
محمد السعيد إدريس
أهم ما تحقق خلال القمتين اللتين عقدتا الأسبوع المنصرم: القمة الأمريكية – الروسية حول الأزمة الأوكرانية التي استضافتها الولايات المتحدة في ألاسكا (الجمعة 15-8-2025) والقمة الأمريكية – الأوروبية – الأوكرانية التي استضافتها الولايات المتحدة أيضاً في واشنطن (الاثنين 18-8-2025) أن قناعات باتت راسخة عند كل هذه الأطراف «روسيا وأوكرانيا من ناحية والولايات المتحدة وأوروبا من ناحية ثانية، بأن الفرص باتت سانحة لوضع نهاية للحرب الأوكرانية المأساوية، وأن هذه الفرص سوف تؤسس لقواعد لعبة سياسية جديدة» في القارة الأوروبية من منظور مستقبل الصراع الروسي – الأوروبي، ودور روسيا المستقبلي في القارة الأوروبية.
في قمة ألاسكا التي جاءت مبهجة، على عكس كل التوقعات، من منظور «الحفاوة الأمريكية» المبالَغ فيها في استقبال الرئيس بوتين ومؤتمره الصحفي مع الرئيس ترامب، بدا واضحاً هذه المرة أن الرئيس ترامب أكثر تفهّماً للمطالب المحورية الروسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا. تصريحات ترامب في المؤتمر الصحفي مع الرئيس بوتين وعقب هذا المؤتمر كشفت ذلك بوضوح من خلال مجموعة من الرسائل المكثفة في معانيها الداعمة لمطالب روسيا، وهو الأمر الذي كانت تتحسب له الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وقيادة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الذين حرصوا جميعاً على دعم مطالب أوكرانيا وعدم تمكين روسيا من تحقيق انتصار، وهذا ما عجل بانعقاد القمة الثلاثية الأمريكية – الأوروبية – الأوكرانية بعد ثلاثة أيام فقط من قمة ألاسكا بين ترامب وبوتين. ومن أهم تلك الرسائل المكثفة قول ترامب أن «استعادة أوكرانيا لشبه جزيرة القرم والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي أمران غير مطروحين على الطاولة ضمن أي تسوية محتملة» وكذلك قوله «بإمكان زيلينسكي إنهاء الحرب مع روسيا على الفور تقريباً، إن أراد، أو مواصلة القتال».
هاتان الرسالتان ألقتا بالمسؤولية كاملة على عاتق الرئيس الأوكراني ومن خلفه الدول الأوروبية وقيادة حلف شمال الأطلسي، لذلك كان من الضروري التريث وعدم الانسياق في التفاؤل انتظاراً لمخرجات قمة واشنطن. فقد حرص مبعوث ترامب الخاص الذي شارك في قمة ألاسكا على إبراز التنازلات التي من المقرر أن يقدمها الرئيس بوتين مقابل قبول الرئيس الأوكراني والحلفاء الأوروبيين بما أعلنه ترامب، وخاصة عدم مطالبة أوكرانيا باسترداد شبه جزيرة القرم والتخلي الأوكراني والأوروبي، بالتبعية، عن مطالب أوكرانيا بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وهو المطلب الذي كان السبب الجوهري لدفع روسيا لشنّ عمليتها العسكرية في أوكرانيا. فروسيا طالبت في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي برفض أطلسي صريح ونهائي لمطالب أوكرانيا وما زالت ترى في مثل هذا الانضمام الأوكراني للحلف استدعاء صريحاً لمجيء القوات والقواعد الأطلسية على الحدود الروسية – الأوكرانية، وتوظيف ذلك للتدخل في الشؤون الداخلية الروسية وتفجير ثورات روسية ملونة على غرار ما حدث في دول شرق ووسط أوروبا والدول سابقة العضوية في الاتحاد السوفييتي، ومن ثم التمهيد لإسقاط النظام في روسيا وإعادة تقسيمها.
ففي تصريحات له مع شبكة «سى إن إن» أكد ويتكوف أن الرئيس الروسى وافق في ألاسكا على إعطاء «ضمانات أمنية فورية لأوكرانيا كجزء من اتفاق سلام محتمل» بما في ذلك بند شبيه بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي الذي ينص على دفاع مشترك بين الولايات المتحدة وأوروبا في حال حاولت روسيا القيام بغزو آخر، وموضحاً أن «البند الذي وافقت عليه روسيا هو البديل من طلب أوكرانيا الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وقال إن« هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها روسيا الموافقة على هذا الأمر الذي بمقدوره تغيير قواعد اللعبة». وقال ويتكوف« تمكنا من الحصول على التنازل التالي «أن الولايات المتحدة يمكن أن تقدم حماية شبيهة بالمادة الخامسة (ميثاق حلف الأطلسي)». وجاءت قمة واشنطن لتؤكد جدية روسيا المضي في طريق التسوية الشاملة للحرب، سواء ما يتعلق بالضمانات الأمنية، وبالتحديد الدعم الأمني والدفاعي الأوروبي المسنود أمريكياً لأوكرانيا، وقبول الرئيس بوتين بعقد قمة ثنائية قريبة بينه وبين الرئيس الأوكراني، تتلوها قمة أمريكية – روسية – أوكرانية لوضع بنود التوافق على التسوية المأمولة، التي يمكن أن تحقق توازن قوى جديداً في أوروبا، مرتكزة في أوكرانيا بحرمانها من الحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي، وبالحيلولة دون تمكين روسيا من شن أي عدوان مستقبلي عليها.
توازن قوى جديد، في مقدوره أن يؤسس قواعد لعبة سياسية جديدة بين روسيا وأوروبا، لكنها ستؤثر حتماً في مستقبل العلاقات الروسية – الأمريكية.. تعاون أم صراع؟
2025-08-22
