دبلوماسية البيت الأبيض تفرض إيقاعها:
بوتين يوافق على قمة ثلاثية لمناقشة “الأرض مقابل السلام”
فرض ترامب إيقاعه وتجاوز عن مطلب وقف إطلاق النار أولاً، لينظم قمة بين بوتين وزيلينسكي تناقش تسوية للحرب على مبدأ الأرض مقابل السلام، مع التلويح بضمانات أمنية أمريكية لكييف ممولة بصفقات سلاح يدفع ثمنها الأوروبيّون.
سعيد محمد*
بعد يوم حافل بالدبلوماسية الاستعراضيّة في البيت الأبيض، رسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساراً جديداً لإنهاء الحرب في أوكرانيا، متجاوزاً الجدل حول وقف إطلاق النار الفوري ليرعى ترتيبات لعقد قمة ثنائية مباشرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. هذا التطور الدراماتيكي، الذي جاء في أعقاب اجتماع جمع ترامب بالرئيس الأوكراني وحشدٍ من القادة الأوروبيين، أعاد تعريف معالم التسوية المحتملة، ووضع “الضمانات الأمنية” للنظام الأوكرانيّ في قلب المعادلة، لكنه ترك الأسئلة الأكثر حساسية حول التنازلات الإقليمية مفتوحة، كاشفاً عن صدع عميق بين رؤية واشنطن البراغماتية ومواقف حلفائها الأوروبيين المتعنتة بهذا الشأن.
وانتهى اليوم الطويل من المحادثات بإعلان مفاجئ من ترامب عبر منصته “تروث سوشال”، حيث كتب: “في ختام الاجتماعات، اتصلت بالرئيس بوتين، وبدأت الترتيبات لعقد اجتماع، في مكان سيتم تحديده، بين الرئيس بوتين والرئيس زيلينسكي”، مضيفاً أن اجتماعاً ثلاثياً يضمه إليهما سيتبع ذلك. ورغم أن الرئيس الأوكراني رحّب بالخبر واعتبره “خطوة كبيرة إلى الأمام” نحو تأمين اتفاق سلام، إلا أن الحلفاء الأوروبيين استمروا بنثر بذور الشقاق. ففي حين أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن بوتين وافق على اللقاء “في غضون الأسبوعين المقبلين”، إلا أنه تساءل عما إذا كان الرئيس الروسي “سيملك الشجاعة لحضور مثل هذه القمة”. وردد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه المخاوف، معرباً عن “شكوك جدية” حول رغبة بوتين الحقيقية في السلام. من جانبها، نقلت وكالات الأنباء الروسية عن الكرملين أن بوتين منفتح على “فكرة” المحادثات المباشرة، وهو ما يمثل قبولاً مبدئياً حذراً يفتح الباب أمام دبلوماسية مباشرة بين الخصمين لأول مرة على هذا المستوى.
وقد شكل مفهوم “الضمانات الأمنية” حجر الزاوية في محادثات البيت الأبيض، حيث سعى زيلينسكي وحلفاؤه الأوروبيون بقوة للحصول على التزام أمريكي واضح وملموس لردع أي عدوان روسي مستقبلي. وقدّم ترامب ما يمكن وصفه بضمانة مشروطة، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستساعد في ضمان سلامة أوكرانيا، لكنه ألقى بالعبء الأكبر على عاتق أوروبا. وقال بوضوح: “عندما يتعلق الأمر بالأمن، سيكون هناك الكثير من المساعدة”، لكنه استدرك: “إنهم (الأوروبيون) خط الدفاع الأول لأنهم هناك. لكننا سنساعدهم”.
في هذا السياق، كشف الرئيس زيلينسكي عن المقترح الأوكراني الذي يعكس فهماً عميقاً لـ”فن الصفقة” على طريقة ترامب، إذ أعلن أن بلاده عرضت شراء أسلحة أمريكية بقيمة 90 مليار دولار كجزء من حزمة الضمانات الأمنية، يتم تمويلها أوروبياً، وتشمل بشكل أساسي “الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي”. وأضاف: “لدينا اتفاقات مع الرئيس الأمريكي على أنه عندما يتم فتح صادراتنا، سيشترون طائرات مسيّرة أوكرانية”. هذا العرض السخيّ يحول الضمانات الأمنية من التزام سياسي وعسكري أمريكي بحت إلى صفقة تجارية ضخمة تعود بالنفع المباشر على المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وهو ما يمثل طُعماً لا يقاوم لإدارة ترامب. وبهذه الخطوة، تكون كييف قد وجدت طريقة مبتكرة لربط أمنها بالمصالح الاقتصادية الأمريكية، مؤكدة أن الضمانات سيتم صياغتها بشكل رسمي في غضون عشرة أيام، ما أضفى إحساساً بالإلحاح والجدية على المسار الجديد.
على أنّ التحول الأكثر إثارة للجدل كان تجاوز ترامب الكليّ لمطلب الأوروبيين العتيد بوقف فوري لإطلاق النار قبل الشروع في أيّ محادثات، وهو المطلب الذي كان حتى الأسبوع الماضي شرطاً أساسياً وهدد ترامب موسكو بـ”عواقب وخيمة” إن لم تلتزم به. لكن وبعد لقائه ببوتين في آلاسكا (الجمعة)، قبل الرئيس الأمريكي وجهة النظر الروسية، معتبراً أن السعي لاتفاق سلام شامل أهم من هدنة مؤقتة. وأمام زيلينسكي والقادة الأوروبيين، دافع ترامب عن موقفه الجديد قائلاً: “لا أعتقد أنكم بحاجة لوقف إطلاق النار. إذا نظرتم إلى الصفقات الست التي أبرمتها هذا العام، كانت جميعها في حالة حرب، ولم تتضمن وقف إطلاق نار”.
هذا الموقف أثار انزعاجاً أوروبياً لم يخف في المؤتمر الصحفي الاستعراضي لترامب بحضور زعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وفنلندا إلى جانب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ورئيسة المفوضية الأوروبيّة. فالمستشار الألماني ميرتز أصر على أن “مصداقية هذه الجهود التي نبذلها اليوم تعتمد على الأقل على وقف إطلاق النار منذ بداية المفاوضات الجادة”، فيما شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن “الهدنة ضرورة”. لكن ترامب بدا غير مكترث، وردّ ببرود: “حسناً، سنجعل الرئيس (زيلينسكي) يذهب ويتحدث إلى الرئيس (بوتين)، وسنرى كيف سينجح ذلك”. المراقبون اعتبروا هذا التحول بمثابة انتصار استراتيجي لبوتين، الذي كسب وقتاً ثميناً لمواصلة هجومه على الأرض وتحسين موقعه التفاوضي دون أي ضغوط لوقف القتال، تاركاً لكييف عبء التفاوض بينما نيران الحرب لا تزال مستعرة.
ورغم التقدم الظاهري في ترتيب لقاء القمة، ظلّت القضية الجوهرية والأكثر تعقيداً المتعلقة بمصير الأراضي الأوكرانية التي تقطنها أغلبية ناطقة بالروسية ويسيطر عليها معظمها الجيش الروسيّ تراوح مكانها، بل ازدادت ضبابية. ألقى ترامب قنبلة دبلوماسية عندما صرّح أمام القادة المجتمعين: “نحتاج أيضاً إلى مناقشة التبادلات المحتملة للأراضي، مع الأخذ في الاعتبار خط التماس الحالي – وهذا يعني منطقة الحرب”. وقُرأ هذا التصريح بأنّه يتماهى مع الطرح الروسي الذي نقله بوتين لترامب في ألاسكا، والذي يطالب بضم ما تبقى من إقليم دونباس إلى روسيا مقابل تجميد القتال في الجنوب.
هذا الموقف يصطدم مباشرة بخطوط حمراء رسمتها كييف وداعموها الأوروبيون. فقد سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتأكيد على أن المحادثات لا تشمل تنازل كييف عن أراضٍ، بينما يواصل زيلينسكي التأكيد على أن أي مساس بوحدة أراضي أوكرانيا أمر غير وارد. هذا التناقض الصارخ يضع الرئيس الأوكراني في موقف لا يُحسد عليه، حيث يجد نفسه مضغوطاً من راعيه الأمريكي لقبول “الواقع” على الأرض، ومن الرأي العام الداخلي والشركاء الأوروبيين للتمسك بالسيادة الكاملة. إن مسألة الأرض هي “ثمن السلام” الحقيقي الذي يدور حوله الصراع، ويبدو أن قمة البيت الأبيض لم تفعل شيئاً سوى إبراز حجم الهوة بين الأطراف حول هذه النقطة المصيرية.
على الصعيد الشخصي، كان اللقاء بين ترمب وزيلينسكي بمثابة عرض متقن لفن التكيّف الدبلوماسي. ففي تناقض صارخ مع لقاء فبراير / شباط الماضي الذي تعرض فيه زيلينسكي للإهانة وطُرد من باب جانبي، بدا الرئيس الأوكراني هذه المرة وقد أتقن “قواعد اللعبة” مع ترامب. فتخلى عن زيه العسكري وارتدى بدلة رسمية داكنة، وواجه الدعابات حول ملابسه بروح مرحة، بل وقدم لترامب رسالة من زوجته أولينا إلى السيدة الأولى ميلانيا ترمب.
هذا التحول في الأسلوب، الذي وصفه مراقبون بـ”درس متقدم في الترمبولوجيا”، أثمر عن أجواء أكثر ودية، حيث امتنع نائب الرئيس جي دي فانس عن توجيه أي انتقادات، وبدا ترامب على غير العادة أقل برماً بضيفه. لقد أدرك زيلينسكي والقادة الأوروبيون الذين هرعوا إلى واشنطن أن مفتاح التعامل مع ترامب يكمن في مزيج من الإطراء، والمصالح الملموسة (صفقة الأسلحة)، وتجنب المواجهة المباشرة. لقد كانت استعراضاً لجبهة غربية موحدة، وإن كانت موحدة في تكتيكاتها لإرضاء رجل واحد، الإمبراطور ترامب، أكثر من كونها موحدة في استراتيجيتها النهائية تجاه روسيا.
في المحصلة، نجحت قمة واشنطن في البناء على الزخم الذي أطلقته قمة آلاسكا لكسر الجمود بشأن فرص التوصل إلى تسوية تنهي الحرب المستمرة منذ أكثر من أربعين شهراً، وخلقت زخماً دبلوماسياً جديداً يتمحور تالياً حول قمة رئاسية مباشرة بين الطرفين المتحاربين. لقد فرض ترامب نفسه كوسيط أوحد، مقدماً مساراً يقوم على البراغماتية القاسية التي تفضل فن الممكن وفق توازن القوى على التنظير الأوروبيّ المتعجرف. وبينما يمثل هذا فرصة حقيقية لإنهاء القتال، إلا أنه مسار محفوف بالمخاطر لأوكرانيا التي قد تجد نفسها بعد عدد هائل من القتلى ودمار كبير مضطرة لدفع ثمن باهظ من أراضيها وسيادتها مقابل لا شيء سوى السلام، وضمانات أمنية هلاميّة لا تزال تفاصيلها غامضة وتعتمد بشكل كبير على نوايا رئيس أمريكي متقلب، وحلفاء أوروبيين خاضعين لرغباته.
– لندن
2025-08-20