دعامات إسرائيل المنهارة!
هاني عرفات
سوف تجد الحكومة الإسرائيلية، وبالتعاون مع المبعوث ويتكوف، أي مبرر للتنصل من أي اتفاق محتمل لوقف المجزرة. من يراقب تسلسل الأحداث حتى اليوم ، يدرك أن إسرائيل، هي من تصر على تعطيل أي حل، لتجنب كارثة كبرى وليس حماس ، استعراض التنصل الاسرائيلي المستمر والتعنت واضح بالعودة إلى مسار التفاوض حتى الآن .
هذا الأمر ليس بسبب اختلال توازن القوى فقط، وليس بسبب تآمر غالبية دول الغرب و شراكتها الفعلية لإسرائيل أيضاً ، ولكن لأن إسرائيل تريد ( تصحيح الخطأ التاريخي ) الذي لم تستطع كل المجازر التي ارتكبتها ، منذ ما قبل قيامها وحتى يومنا هذا تحقيقه، والهدف إنهاء أي وجود فلسطيني ما بين النهر والبحر.
لا أفشي سراً ، إذا ما قلت أن الديمغرافيا الفلسطينية هي العدو اللدود للمشروع الصهيوني في فلسطين، لقد قام الآباء المؤسسون لإسرائيل بكل شئ ممكن من أجل تهجير الفلسطينيين، قاموا بارتكاب مجازر كبيرة و كثيرة، استعملوا الحرب النفسية لإخافة الفلسطينيين كي يتركوا أراضيهم و يرحلوا، دمروا قراهم ، و بعد قيام دولتهم، في مناطق ال ١٩٤٨م ،قاموا بتضييق الخناق على تجمعاتهم السكنية ، و حاربوهم في كل شئ ، بما في ذلك لقمة العيش، و أضافوا إلى ذلك العصابات المسلحة مؤخراً ، واتبعوا ذلك بسن تشريعات يهودية الدولة ، وغيرها من القوانين العنصرية.
ما يجري في الضفة أيضاً ، نسخة مكررة عن ذلك ، ولكن بأدوات أكثر قسوةً وبشاعة، أما مذبحة غزة ، فهي مثال ساطع على مدى التوحش المنفلت دون رادع و دون خطوط حمراء.
المشروع الصهيوني قام دائماً على دعامتين رئيسيتين : التطهير العرقي و تفريغ الارض من سكانها الأصليين ، وهذا ما انكبت عليه الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على مدار السنوات .
الدعامة الثانية والمرتبطة أساساً بالدعامة الأولى، تتمثل بجذب يهود العالم إلى إسرائيل، من خلال الترويج إلى السبيل الوحيد والبيت الآمن ليهود العالم هو فقط في إسرائيل.
لقد فعلت الحركة الصهيونية كل شئ ممكن لإقناع يهود العالم بذلك، بما فيه تخطيط و تنفيذ اعتداءات ضد اليهود في بلدانهم الأصلية لدفعهم للهجرة ، وقد نجحت إلى حد كبير في ذلك حتى اليوم.
الجنون الذي تقوم به إسرائيل اليوم نابع من انهيار هاتين الدعامتين، إذ بعد ثمانية عقود من قيام دولتهم ، لا زال الفلسطينيون يشكلون غالبية السكان ولو بشكل بسيط ، في حدود فلسطين التاريخية. وبعد كل هذه السنوات من محاولة استقطاب المهاجرين اليهود إلى (بيتهم الآمن ) يتبين بعد كل هذا أن إسرائيل ليست البيت الآمن الموعود ليهود العالم.
ولهذا السبب هناك قطاعات واسعة في إسرائيل، تطالب باسترجاع المحتجزين في غزة، لأن هذا يدخل في صميم الرواية ، أن إسرائيل هي البيت الوحيد الآمن ليهود العالم، وعدم القدرة على استرجاع المحتجزين دليل فشل كامل لهذه الرواية.
هذا الجنون ليس مقتصراً على الطبقة الحاكمة في إسرائيل، بل امتد ليشمل الغالبية العظمى من المجتمع اليهودي في إسرائيل، يبدو ذلك واضحاً تماماً في استطلاعات الرأي، حيث أشار استطلاع للرأي نشر مؤخراً، أجرته صحيفة يديعوت أحرنوت على ما أعتقد، أن ٧٩٪ من اليهود الإسرائيليين المستطلعة آراؤهم، بأنهم لا يعيرون اهتماماً ، إلى حملة التجويع التي تقوم بها حكومتهم للفلسطينيين في غزة.
نحن لا نمتلك اليوم أرقاماً حقيقية ، لحجم الهجرة والهجرة المعاكسة من إسرائيل، ربما تتضح الحقائق في وقت لاحق، لكن من المؤكد أن الرياح في هذا المضمار، لا تسير على ما تشتهي سفن المشروع الصهيوني.
لا بد من الاشارة في هذا الصدد ، إلى تنامي الاعتداءات على اليهود في مناطق مختلفة من العالم ، صحيح أن هناك غضب لدى أوساط واسعة في أنحاء العالم ، بسبب ما تقوم به إسرائيل من جرائم في فلسطين، لكن لا بد من الانتباه إلى أصابع الحركة الصهيونية في ذلك.
بدون هجرة نشطة إلى إسرائيل، لن يفيد نفعاً لا مصادرة الأراضي ولا بناء المزيد من المستوطنات، لذلك هم يسعون بكل قوة ، لترسيخ الواقع الذي يريدون في عقول يهود العالم، أن لا مكان آمن لليهود إلا في إسرائيل. لا سيما أن كثير من يهود العالم بدأوا ينحازون إلى الجانب الصحيح من التاريخ ، بعد افتضاح النوايا الحقيقية للمشروع، هذا واضح في أوروبا وأميركا تحديدا. المطلوب من كل من يعنيهم الحق الفلسطيني الانتباه إلى ذلك وعدم الوقوع في هذا الفخ مرةً أخرى.
في هذّه الأثناء يظل هدف إسرائيل الأوحد ، هو تهجير الفلسطينيين، من خلال تكرار تجربة النكبة على نطاق أوسع هذه المرة، وهي ( فرصة ) لا تريد إسرائيل أن تضيعها هذه المرة، لا سيما في ظل هذا التراجع والتآمر العربي والغربي، و لأن إسرائيل بدأت ترى أن العالم بدأ يتحول ، ولم تعد تنطلي عليه الحيل والأكاذيب القديمة، حتى أن الحكومات الغربية، بدأت تستجدي نتنياهو أن يخفف من عدوانه ، لا لأنهم إنسانيون ، بل ليحافظوا على ماء وجوههم أمام الرأي العام في بلدانهم، كما صرح نتنياهو بذلك مؤخراً .
يظل السؤال المهم قائماً : كيف يمكن للفلسطينيين بجميع قواهم الحية، تفويت الفرصة على الحكومة الاسرائيلية والحيلولة دون عملية تهجير واسعة النطاق. هذا الأمر يحتاج إلى وضع كل الجهود اللازمة والممكنة لذلك.
2025-08-19