إني جاعل في الأرض خليفة…!
(قراءة ما بين السطور)
إنتصار الماهود
بسم الله الرحمن الرحيم (قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ) صدق الله العلي العظيم ”سورة ص“.
آيات كريمات من سورة (ص)، تبين لنا حواراً دار بين الخالق عز وجل، والملائكة حول خلق آدم، وسؤال الملائكة واعتراض إبليس الملعون على خلقه.
تناولت إحدى المحاضرات لسماحة الأمين الشيخ قيس الخزعلي، ضمن سلسلة محاضراته لشهر محرم الحرام لعام 2025، رؤيته عن صراع الخير والشر الحق والباطل، استناداً للقران الكريم وما يحدث حولنا، كيف بدأ وكيف سينتهي وتناول بشرحه الآيات الكريمة وانعكاساتها على الوضع الحالي.
لكن لنبدأ من البداية الأولى الحوار بين الذات الإلهية والملائكة، هنا تضمنت الاية الكريمة ثلاثة محاور سنتناولها معكم :
المحور الأول :
هو إعلام وإعلان من الجليل العلي حول خلق مخلوق جديد من طين سمي (آدم)، سيكون الخليفة المرتقب للأرض، وهذا يجرنا لجزئية مهمة قبل عروجنا لمحورنا الثاني، أن آدم عليه السلام لم يخلق ليعيش في الجنة، بل تلك كانت مرحلة انتقالية ليتهيأ لنزوله للأرض، وهي كانت وحدها درساً عظيماً لكي يحكم عقله ويستنير بفكره ويتبع ما يقوله الله له، لا ما يقوله الآخرون، ومن هنا تسقط النظرية التي شاعت بأن مكاننا في الجنة، وإن إنزال ادم للأرض كان عقوبة من الله، او انجراره خلف كلام إبليس هو تحدٍ دون معنى، واهمون جدا فلكل شيء محسوب بقدر لدى رب العلا تبارك وتعالى.
المحور الثاني :
هو عِلم الملائكة عن خلق أبونا ادم عليه السلام، وسؤالهم الله تعالى كان سؤالاً استفهامياً وليس سؤالاً تشكيكياً، حول الغاية من خلق آدم حاشا لله أن تفعل الملائكة ذلك.
فهل كان الملائكة يعلمون ما سيحدث على الأرض؟؟، بالطبع هم يعلمون لكن بالحد المسموح الذي أمر الله تعالى به، وإلا فلمَ ذكروا سفك الدماء على الأرض دون غيرها من الأحداث التي مرت على الخليقة، منذ أول يوم لآدم على الأرض وحتى يومنا هذا؟!.
لكن الملائكة تعلم عن تصرفات الإنسان المادية ذات النزعة العدوانية التي تحكمها النفس البشرية، و(النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي)، أما الجزء الآخر من خلق آدم فهو (نفخت فيه من روحي)، وهل هنالك تكريم أعظم من أن يكون جزء من تكويننا هو جزء إلهي، وهي روح الله إذا هذا أيضا جانب نقي يحكم الإنسان ويوازن ما بين الخير والشر، موازنة عقلانية تساعده الظروف المحيطة على تقويتها أو إضعافها، سنتحدث عنها لاحقاً في مقال آخر نفصلها حسب ما ورد في كلمة (سماحة الأمين)، إذا الإنسان يحكمه الخير والشر، لكن الملائكة ذكرت الشر تخوفاً وتحسباً لما سيحدث مستقبلا، لكن الجانب الخير لم يذكر في الآية الكريمة.
أما المحور الثالث:
في الآيات الكريمة فهو اعتراض إبليس الملعون ورفضه لخلق آدم، وكانت تلك أول الذنوب لمخلوق أمام الله تعالى، وهي التكبر والاعتراض، فلا يوجد مخلوق يستطيع أن يعترض على إرادة الخالق بأي شيء، فبيده ناصيتنا وهو الموكل بأمرنا، كذلك خطيئة التكبر، وهي خطيئة جرت لذنوب كثيرة، فقد خلق الله تعالى الجميع سواسية وكلهم في ميزان عدل عنده لا يفضّل مخلوق على آخر إلا بالتقوى والعبادة والصلاح، وهنا نؤكد أن إبليس بفعلته هذه خرج على كل المقاييس الكونية، التي أقيمت على أساسها السماوات والأرض وخَلْقٌ الكائنات، وما كان اعتراضه إلا لأنه يعلم أن هذا المخلوق الجديد الذي خلقه الله، سيكون أفضل منه عبادة وتقوى رغم التحديات التي يواجهها والمغريات التي تقدم أمامه،
تخيل أن إبليس الملعون عصى الله بلحظه فقط بعد عبادة ألف عام أو أكثر، بسبب حسده لآدم أما إبن آدم رغم قصر عمره في الدنيا والمغريات التي أمامه فهو يخطئ ويتوب، ويحاول بين الحين والآخر أن يقوّم نفسه عن اعوجاجها، لأن في داخله الخير والسريرة النقية التقية التي أمر الله تعالى بها والتي زرعها فيه من روحه.
ذلك الإعتراض جعل بوادر المنافسة محمومة جدا، ضد آدم من إبليس الملعون وجنده، أولئك الجنود الذي سخرهم لأجل إضعاف أبونا آدم وذريته، ومحاولاته المتكررة لجره عن جاة الحق وطريق الخير.
منذ مقتل هابيل على يد أخيه قابيل وحتى يومنا هذا، فإن الشيطان الملعون يوسوس لإبن آدم بارتكاب المعاصي والذنوب، كي يثبت شيئاً واحداً فقط، وهو أفضلية إبليس المخلوق من النار على آدم المخلوق من الطين هذا هو جوهر صراع الحق والباطل منذ الأزل.
2025-08-08