خلف الجدران (2): أحلام معلقة وشهادات في مهب الانتظار!
وفاء درباس*
حين يسأل أحدهم: ماذا تريد أن تكون حين تكبر؟
قد يجيب الطفل بثقة: طبيبا، طيارا، كاتبا، أو ربما رائد فضاء
لكن، ماذا لو أجبته: أريد فقط ورقة تثبت أنني إنسان؟
في زوايا المخيم، حيث البيوت من حجر لكن القلوب معلقة كأنها من ورق، تنمو الأحلام مثل الورد على حافة الإسمنت، جميلة لكن قابلة للدهس في لحظة.
محمد، 22 عامًا، أنهى دراسته الجامعية في الإعلام بتفوق، لكنه لا يستطيع العمل في أي وسيلة رسمية، لأنه لا يحمل الجنسية، ولا حتى أوراقا ثبوتية تتيح له الحلم.
أشعر وكأنني أصرخ داخل قنينة زجاج أرى العالم من حولي، لكن لا أحد يسمعني
ريما، 19 عاما، حلمت منذ الصغر بأن تكون طبيبة أسنان، لكن غياب الأوراق، وعدم اعتراف الدولة بشهادات معظم المهن، جعل حلمها يتآكل ببطء.
درست بجهد، قدمت امتحاناتي بين الشموع وأصوات الاشتباكات، وعندما تفوقت، قيل لي: عذرا، لا نعرفك.
خالد، 24 عاما، يعمل ممرضا في عيادة داخل المخيم، لأنها واحدة من المهن القليلة المسموح بها قانونيًا للاجئين الفلسطينيين في لبنان.
أحب ما أقوم به، لكن روحي كانت تتوق للصحافة. أردت أن أكون صوتا للناس، لا فقط منقذًا لجراحهم
في تقرير صدر عام 2023، تظهر الإحصاءات أن الشباب الفلسطينيين في لبنان ممنوعون من مزاولة أكثر من 70 مهنة، من بينها الطب، الهندسة، المحاماة، الصيدلة، الطيران، الترجمة، وحتى مهن الحلاقة والدهان والكهرباء.
وأن أكثر من 60٪ من هؤلاء يعانون من بطالة طويلة الأمد، ليس لأنهم يفتقرون إلى الشهادات أو القدرات، بل لأنّ القوانين تصرّ على أن الانتماء القانوني شرط للعيش.
ومع ذلك، لا تزال الروح تقاوم.
في مبادرة أطلقها مجموعة من الشباب داخل المخيم، بدأت دورات تدريبية مجانية في التصميم الرقمي واللغات، نظمها شبان وشابات من دون تمويل، من غرفة صغيرة، بأجهزة قديمة، لكن بحماس كبير.
قالت هبة، إحدى المنسقات:
لم ننتظر منظمة. أردنا أن نثبت لأنفسنا أولا أننا نستحق الحياة. نحن لسنا عابرين في هذا المخيم. نحن جزء من نسيج هذا الوطن، وإن لم يعترف بنا.
في زوايا هذه البيوت التي قد تبدو ضيقة، يعيش إصرار واسع. خلف الجدران المبللة بالرطوبة، تنام أحلام كثيرة تنتظر قليلًا من الضوء.
نحن لا نطلب ترفا. لا نريد قصرا ولا جواز سفر دبلوماسي.
كل ما نريده هو أن نُعامل كبشر، أن يُعترف بأحلامنا، بشهاداتنا، بسنوات تعبنا.
ربما، ما نريده ليس كثيرا:
أن يستطيع شاب أن يكتب اسمه على حلمه دون أن يُشطب بقلمٍ لا يعرف وجعه.
خلف هذه الجدران، لا يسكن الفقر فقط، بل تسكن قصص جميلة علِقت في عنق الزجاجة.
شبابنا لا يحتاجون شفقة، بل اعترافًا.
اعتراف بأنهم هنا، بأنهم تعبوا، بأنهم يستحقون فرصة حقيقية، وحقًا أصيلا في أن يحلموا وأن يعيشوا ما حلموا به.
2025-07-27