العراق الدولة شبه القارّيّة… 2!
اضحوي جفال محمد*
الحدود العراقية الإيرانية هي ما ورثته الدولتان عن الدولتين العثمانية والقاجارية، والتي تعرضت لتغييرات مستمرة كلها لصالح ايران. ونحصر البحث فيما يخص شط العرب لأن الخلافات بشأن السليمانية حسمت في وقت مبكر واستقرت.
حسب اتفاقيتَي أرضروم (الاولى والثانية) المبرمتين في القرن التاسع عشر يكون شط العرب عراقياً بالكامل، ويعترف لايران على الاقليم المحاذي لشرقه إبتداءاً من الملتقى الحالي للنهر مع خط الحدود، فجنوباً حتى المصب. ولأن اللجان الدولية (عثمانية، ايرانية، بريطانية، روسية) التي عملت لاحقاً لتنفيذ الاتفاقية واجهت عقبات بقيت الأمور مضطربة حتى ابرام بروتوكول القسطنطينية عام 1913 الذي ثبّت النهر عراقياً ومنح ايران حرية الحركة التجارية فيه إلى ان تنتهي حدودها عليه قرب الشلامجة في الشمال. وما ان تم توثيق البروتوكول حتى اندلعت الحرب العالمية ودخل الانگليز من نفس الاتجاه.
فلما قامت المملكة العراقية ودولة ايران البهلوية على انقاض الإمبراطوريتين القديمتين أخذ الإيرانيون يطالبون بتعديل الاتفاقات السابقة، والحقيقة انهم لم يعودوا يعترفون بها. فتم التفاوض من جديد بإشراف بريطاني، أدى إلى اتفاقية طهران الموقعة عام 1937. وبموجبها يصبح خط التالوك (خط اعمق نقطة في المجرى) حداً بين الدولتين لمسافة ستة كيلومترات امام عبادان، ويبقى سائر النهر عراقياً كالسابق. وفي عام 1969 ألغت ايران من جانب واحد اتفاقية 37 وامتنعت عن دفع رسوم الملاحة للعراق، وألقت بكامل ثقلها لدعم التمرد في الشمال لتحقيق مكاسب في الجنوب. وهكذا كان عام 1975 (اتفاقية الجزائر) التي حصلت فيها ايران على خط التالوك من بداية التقاء حدودها مع النهر إلى مصبه مقابل تخليها عن دعم الأكراد. ولم يكد ذلك يحصل حتى اضطرب الوضع في ايران، ثم اندلعت الحرب، وبقية التطورات معروفة.
من الناحية الرسمية يعترف الطرفان الآن بأن اتفاقية الجزائر هي الحاكمة لحدودهما وحقوقهما في شط العرب، وهذا مبدأ عام يدخل فيه الكثير من التفاصيل والمشاكل. وبين تلك المشاكل قضية الكري لإزالة الرواسب وتعميق المجرى. وهي عملية كان العراق يقوم بها منفرداً قبل اتفاقية الجزائر التي قررت أن تكون مشتركة. ومع انها تعثرت بسبب الحروب والاضطرابات فإنها لم تعد مجرد عمل فني يزيح الطمي ويسهل النقل، لأن العيون باتت متيقظة على كل حفنة تراب تزاح والى اي جهة تزاح!. فالضفة التي تزاح اليها الاوحال انما تغنم ارضاً جديدة. والحقيقة ان ظاهرة طبيعية تدخل في الموضوع تسمى (قوة كوريوليس) وهي تأثير دوران الارض على حركة المياه في الانهار. هذه الظاهرة تدفع المياه يميناً في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، ويساراً في النصف الجنوبي. أي أنها في ما يخصّ موضوعنا تدفع مياه شط العرب باتجاه الجرف العراقي لصالح ايران. فيكسب الجانب الإيراني مزيداً من الارض على حساب العراق. مثل هذه التغييرات تكون ضئيلة في الأوضاع الطبيعية وغير ملموسة، إذ لا تضيف سوى بضعة أمتار في السنة (أمتار مربعة وليس امتداداً) إلا أنها تصبح ملموسة في حالتين، كلاهما حاضرتان فيما يخص شط العرب، وهما المصب وتدخل الإنسان. فعند مصبات الانهار في البحار تصبح الجغرافيا مرشحة للتغيير، خصوصاً وان مجرى شط العرب من اكثر الانهار استقبالاً للطمي، الذي يأتي أكثره من نهر الكارون الذي يعتبر من أكثر أنهار العالم حملاً للطمي.كذلك فإن عمليات الكري تفتح الباب أمام الارادة البشرية لتوجيه التغييرات حسب الأغراض السياسية.
مبدأ خط التالوك، على سعة انتشاره في القانون الدولي، لا يرسي حدوداً ثابتة بين الدول المتشاطئة، لأنه يتبع النقطة الأعمق في النهر والتي يمكن ان تنتقل من مكان إلى مكان. وكان أمام العراق أحد أمرين في ترجمة اتفاقية الجزائر: إمّا تحويل التالوك إلى إحداثيات ثابتة تودع في الامم المتحدة، وهو ما سترفضه ايران بالتأكيد، أو ترصين شاطئه بما يمنع حرفه، حتى لو اقتضى الأمر صبّه بالكونكريت كما هو معتاد في البلاجات. وهو ما سنتحدث عنه في المنشور القادم المتضمن رأينا في الحل.
_____ يتبع
( اضحوي _ 2196 )
2025-07-27