المقامة “المجدرية” … رحلة سياحية في اللغة والسياسة!
محمد أبوعريضة
لمن لا يعرف “المجدرة”؛ أقول له: هي “طبخة”، أعتقد أنها النسخة الشامية – من بلاد الشام – من “الكشري المصري”.
“المجدرة” طبقٌ معروف وشائع جدًا في بلاد الشام، ويُعدّ من أقدم الأطباق النباتية في المنطقة. من حيث التاريخ، يُرجَّح أن أهالي بلاد الشام عرفوا “المجدرة” منذ العصور الإسلامية المبكرة، وربما حتى قبل ذلك في العصر الآرامي أو الروماني، وإن لم تكن تُعرف بالاسم ذاته.
مكونات “المجدرة”: العدس والبرغل، ولاحقًا الأرز، بعد أن أصبح الأرز سلعة متاحة للفقراء. فكل التقديرات تشير إلى أن الأهالي في بلاد الشام لم يعرفوا الأرز على نطاق واسع إلا في العصر الحديث. صحيح أنهم عرفوه منذ العصر العباسي، أو قبل ذلك بقليل، وكانوا يستوردونه من مصر أو من بلاد آسيا الوسطى، وإن كانت بعض مناطق بلاد الشام تزرعه على نطاق ضيق مثل عكار في لبنان وسهل الحولة في الجولان وسهل الغاب في حماة، إلا أن استخدامه ظل مقتصرًا على الأغنياء، فالجاحظ يقول في “البيان والتبيان”: إن الأرز من الأطعمة التي تُستخدم في ولائم الأغنياء والطبقات الراقية.
إذًا؛ “المجدرة” ظلت إلى العصر الحديث مكونة من العدس والبرغل، لكن الناس استبدلوا البرغل بالأرز، بعد أن أصبح الأرز سلعة في متناول أيدي الفقراء، فكل المصادر التاريخية تؤكد أن “المجدرة” ارتبطت بالفقراء والزهاد والمتصوفة نظرًا لبساطته وغناه الغذائي.
كل هذه المقدمة السابقة لا تهمنا كثيرًا فيما نحن بصدده، إلا بمقدار اتساق ما جاء فيها مع مقاربتين، أولهما لغوية، وثانيهما تتعلق بطريقة تحضير ربات المنازل لـ “المجدرة”، مقدار الشبه بين المقاربتين وتفاصيل حياتنا، ولا أقصد حياتنا الأردن فقط، بل في كل الدول العربية من دون استثناء.
أولًا: معنى الفعل المُشتَق منه “المجدرة” – جَدَرَ – يشبه إلى حد بعيد تفاصيل حياتنا، فـ “جَدَرَ” الشيءَ يعني: نَقَطَهُ أو وَسَمَهُ بعلامات صغيرة، ومن قال أننا لا نُوسم كل لحظة بوسم جديد من دون أن يكون لنا رأي أو دور في هذا الوسم؟
ومن معاني هذا الفعل أيضًا: جَدَرَ الجلدَ أو الوجهَ، أي أصابه بـ “الجُدَرِي”، وهو المرض المعروف، فيُقال: “جَدَرَ الصبيُّ” أي أُصيب بالجدري، وكلنا يعرف أن “الجدري” يُخَلِّف نتوءات على الوجه، كثيرًا ما تكون بشعة وتترك آثارها النفسية والاجتماعية على “المُجَدَّر” – المصاب بالجدري -، ومن قال أننا لسنا جميعًا مصابون بجدري سياسي واجتماعي وثقافي ونفسي، وآثاره مغروزة في الأعماق … إلخ؟
ومن المعاني أيضًا، القول: “يَجْدُر بك أن تفعل كذا”، أو “يَجْدُر بك أن تقول كذا”. ومن قال أننا لسنا أحوج ما نكون بحاجة كل لحظة إلى إعادة النظر في كل ما نفعل وما نقول، لنستعيد عافيتنا وتفاصيل حياتنا التي فقدناها؟
بل لعله من المفيد الإطلاع على معاني كلمة “الجَدْرَة” – المشتقة منها المجدرة -، فـ “الجدرة” هي النقطة أو النكتة الصغيرة، فيقال: في وجهه “جدرة” أي “خال”، وقد تطلق على الحَبَّة أو النتوء في الجلد أو على الأرض، ومن قال إن حياتنا ليست مجرد نكتة صغيرة، أو مجرد “خال” بشع في “خدِّ” العروس؟
ومن الاشتقاقات الأخرى ما يشير إلى “الجدار”، ومن قال أننا لسنا محاطون بـ “جُدُرٍ” تخنقنا، فـ “الجدار” العازل الصهيوني في فلسطين أو المُزمع إنشاءه في غور الأردن بالتأكيد ليسا الوحيدان في تفاصيل حياتنا، وإن كانا يشكلان “الرمز” المباشر لخنقنا؟
ثانيًا: طريقة تحضير ربات البيوت لـ “المجدرة” تشبه إلى حدٍ بعيد تفاصيل حياتنا. ربة البيت تسلق العدس أولًا، كما هو حال “سلقنا” كل لحظة في “طناجر” ضخمة، فمن قال إن كل قطر من أقطارنا الـ 22 ليس سوى “طنجرة” ضخمة – حجمها حسب مساحتها الجغرافيا -، فيها ماء يغلي، فتأتي ربة البيت وتلقي العدس بالكمية المناسبة – حسب عدد السكان -، ونظل نغلي داخل “الطنجرة” إلى أن ننضج، ونمسي جاهزين للاستخدام، فتأتي ربة البيت فتطفيء النار تحت “الطنجرة”.
بينما تسلق ربة البيت العدس داخل “الطنجرة”، تكون قد “نَقَعَتْ” الأرز في ماء فاتر، ومن قال أننا لسنا “منقوعون” داخل معازل، نبقى فيها إلى أن نمسي جاهزين للاستخدام، فتأتي ربة البيت، فـ “تَزِّل” الأرز عن الماء باستخدام مصفاة، تعزل الزوان عنا، حتى لا يزعج هذا الزوان “المُستخدِم” – بكسر الدال -، لنكون جاهزين محترمين للخلط مع العدس المسلوق.
بعد الخلط، تبدأ مرحلة الإنضاج على نار هادئة، وهي مرحلة مهمة، لأنها تكشف مهارة وحرفية ربة البيت في الوصول إلى نهاية ناجزة. المهم؛ بينما نحن ننضج على نار هادئة، تنتقل ربة البيت إلى المرحلة الأخطر، وهي مرحلة “التبهير” – من البهار – أو “التعفيش” أو “التأثيث” – من العفش أو الأثاث -، فربة البيت تلقي بالبصل على زيت يغلي في “قلاية” جالسة ببهاء على نار هادئة، ونبقى نتعرض للتقليب بملعقة، غالبًا ما تكون خشبية، تحاشيًا لخدش حياء القلاية. وحينما ننضج، وتصبح وجوهنا حمراء “مقحمشة”، تُطفيء ربة البيت النار، وتضع البصل “المقحمش” لوحده في طبق، ليكون جاهزًا للإضافة في أية لحظة.
وأخيرًا، تسكب ربة البيت “المجدرة” في أطباق، وغالبًا ما تستخدم “مغرفة” معدنية، حتى لا ننسى قبل أن نغادرها أن لها مخالب، قد تستخدمها إذا ما فكرت إحدى حبات العدس التمرد أو رفع صوتها عاليًا. وبملعقة معدنية أيضًا تزيِّن باحتراف وجوه الأطباق بالبصل “المقحمش”، وتقول لـ “أمريكا”: كُلّْ واشكر. وإن لم تشكري يا أمريكا فنحن مسامحون ما دامت شقيقتنا “إسرائيل” في الجوار.
2025-07-25
