هل الوفاء تربية أم سلوك؟
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتهاوى فيه كثير من القيم تحت وطأة المصالح والانتهازية، يظل الوفاء واحدًا من أنبل الخصال الإنسانية، وأشدها مقاومة للتقلبات. وهو ما يدفعنا للتساؤل: هل الوفاء نابع من التربية؟ أم هو سلوك فطري ينبثق من أعماق الذات؟ أم هو خليط بين الاثنين؟
الوفاء في جوهره قيمة عليا، لا تظهر على سطح الحياة بمحض الصدفة. بل هو ثمرة غرس طويل الأمد، تنشأ بذوره في بيئة تُعلي من شأن المبدأ وتقدّر الالتزام الأخلاقي. الطفل الذي يرى والديه يفيان بوعودهما، ويحفظان العهد، ويتصرفان بثبات في المواقف، يتشرب هذه القيم لا بالشعارات، بل بالممارسة اليومية. ومن هنا، يمكننا القول إن الوفاء يُربّى، قبل أن يُمارَس.
لكن التربية وحدها لا تكفي. فالوفاء، مهما كان راسخًا في الوجدان، لا يصبح مرئيًا إلا حين يتحوّل إلى سلوك فعلي. لحظة يفي الإنسان بوعد قطعه رغم تغير الظروف، أو يظل على عهد صداقة رغم تقلب المصالح، أو يتمسك بموقف شريف رغم كلفته، يكون قد مارس الوفاء كسلوك واعٍ، لا كمجرد شعور داخلي.
والوفاء، على خلاف الانفعالات السريعة، لا يمكن تصنّعه لفترة طويلة. إنه من تلك القيم التي تختبرها الحياة في مفترقات الطرق، وتُقاس بمدى اتساق القول بالفعل، لا ببلاغة الحديث عن الفضائل.
إننا حين نقول إن الوفاء سلوك، لا نعني بذلك أنه يُكتسَب تلقائيًا، بل نعني أنه المظهر الخارجي لتربية أخلاقية عميقة الجذور. وحين نقول إنه تربية، لا نعني أنه قيمة صامتة، بل إنه منظومة تستدعي الشجاعة لترجمتها في سلوك صادق ومستمر.
لقد شهدت في حياتي محنًا كثيرة، اختبرت فيها صدق الوفاء في أصدقائي ومعارفي، وامتحنت فيه نفسي قبل غيري. وخرجت بخلاصة أؤمن بها:
“الوفاء لا يُدرَّس في المناهج، بل يُغرس في الضمير، ويُصقل بالتجربة، ويُثبت وجوده عندما تكون التضحية أثقل من الكلام.”
فهل نملك اليوم تربية تصنع الأوفياء؟ وهل نُعلِّم أبناءنا أن الوفاء ليس ضعفًا، بل شجاعة من نوعٍ آخر؟
أسئلة تستحق أن تُطرح في زمن عزّ فيه الصدق، وندر فيه الثبات على المبدأ
2025-07-01