انعكاسات الحرب الإيرانية – الإسرائيلية على الحرب الروسية – الأوكرانية!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
تشهد الساحة الدولية تصاعدًا خطيرًا في التوترات الجيوسياسية مع اندلاع الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، وهو تطور لا يمكن عزله عن السياق الأوسع للصراع الروسي – الأوكراني. فالنظام الدولي اليوم يشبه لوحة شطرنج متداخلة، كل حركة فيها تعيد تشكيل ميزان القوى وتوزيع الموارد، خاصة في ظل هشاشة النظام متعدد الأقطاب والصراع على إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي والدولي.
أولاً: تشتيت الانتباه الغربي وتبدل الأولويات
أدى اندلاع الحرب المفتوحة بين إيران وإسرائيل إلى تحوّل تدريجي في بوصلة الاهتمام الغربي، لا سيما من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين أصبحا مجبرَين على الموازنة بين جبهتين مشتعلتين: الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. فالأول يتصل مباشرة بأمن الطاقة، وبمصالح إسرائيل، الحليف الاستراتيجي، فيما تمثل أوكرانيا نقطة الاختبار الكبرى للمصداقية الغربية أمام التحدي الروسي.
هذا التزاحم في الأولويات قد يُفضي إلى تراجع مستوى الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي لكييف، أو على الأقل إلى بطء في الإمدادات، وهو ما قد تستغله موسكو لتعزيز مكاسبها الميدانية.
ثانيًا: أسواق الطاقة وعودة روسيا كطرف رابح
لا يمكن إغفال التأثير المباشر لأي صراع في الخليج على أسعار النفط العالمية. فاستهداف المنشآت النفطية الإيرانية، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما يصب في مصلحة روسيا، التي تعتمد بشكل أساسي على صادرات الطاقة لتمويل حربها رغم الحصار الغربي.
بمعنى آخر، قد تتحول الحرب الإيرانية – الإسرائيلية إلى طوق نجاة اقتصادي لموسكو، يعيد تنشيط صادراتها عبر قنوات خلفية، ويعزز احتياطاتها النقدية وسط أزمة مالية متفاقمة.
ثالثًا: تحالفات جديدة ومحاور مقاومة متشابكة
تعزز الحرب الإيرانية – الإسرائيلية التعاون الروسي – الإيراني، القائم أصلًا على تقاطع المصالح في ملفات عديدة، أبرزها سوريا، ونقل تقنيات الطائرات المسيّرة. ومن المرجح أن نشهد تعميق هذا التحالف، وربما تطوّره إلى محور دفاعي غير معلن يضم الصين وكوريا الشمالية بصورة غير مباشرة.
في المقابل، تعاني الجبهة الغربية من التباين في المواقف حيال تل أبيب، ما يُضعف جبهة الغرب ويثير الانقسام داخل مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، في حين تسعى روسيا للاستفادة من هذا التصدع لتقديم نفسها كقوة توازن في النظام الدولي الجديد.
رابعًا: الصناعة الحربية الغربية تحت الضغط
تفرض حربان متزامنتان – الأولى في أوروبا والثانية في الشرق الأوسط – ضغطًا غير مسبوق على الصناعات العسكرية الغربية. فالولايات المتحدة، التي تعاني أصلًا من اختناقات في سلاسل التوريد ونقص الذخائر، تجد نفسها أمام تحدي تلبية احتياجات إسرائيل وأوكرانيا معًا، ما قد يؤدي إلى تأخير أو تقنين في التسليح.
هذا النقص النسبي قد يعطي القوات الروسية ميزة ظرفية، خاصة إذا ترافقت مع موجة تعبئة عسكرية داخلية روسية أو دعم إيراني مباشر لها.
خامسًا: حرب الإعلام والنفوذ النفسي
تُعد الحرب الإعلامية جزءًا أساسيًا من كلا الصراعين. فمع احتلال الحرب الإيرانية – الإسرائيلية لصدارة الأخبار، تتراجع تغطية الحرب الأوكرانية، ما يؤثر على الرأي العام الغربي، ويُضعف الحشد المعنوي والدبلوماسي لكييف. وتستغل موسكو هذا التراجع لإعادة تأطير صورتها في الإعلام الدولي، وتصوير الحرب على أنها صراع من أجل السيادة وليس عدوانًا توسعيًا.
سادسًا: المأزق النووي والردع المتبادل
إن انخراط إيران، الدولة القريبة من العتبة النووية، في صراع مفتوح مع إسرائيل، يعيد إلى الواجهة احتمال استخدام الأسلحة غير التقليدية، أو التهديد بها. وهذا التطور قد يمنح روسيا ذريعة إضافية لتعزيز خطابها النووي ضد الغرب، باعتباره يكيل بمكيالين في تعامله مع “الردع”.
خاتمة
ليست الحرب الإيرانية – الإسرائيلية مجرد نزاع إقليمي، بل هي حلقة جديدة في صراع الإرادات بين القوى العظمى. وإن تزامنها مع الحرب الروسية – الأوكرانية لا يمثل صدفة تاريخية، بل تجليًا لعالم ينهار فيه القديم قبل أن يُبنى الجديد.
روسيا تراقب بعناية هذا التحول، وربما تراهن عليه لتغيير مسار المعركة في أوكرانيا. أما الغرب، فيجد نفسه أمام اختبار صعب: كيف يوازن بين التزاماته الأخلاقية وتحالفاته الاستراتيجية دون أن ينهار تحت ضغط الجبهات المتعددة؟
ربما تكمن الإجابة في فهم أن الحروب الكبرى لا تُخاض فقط بالمدافع، بل بالبوصلة الجيوسياسية التي تحدد إلى أين تمضي الأمم.
2025-06-23
