حين يقتطف الموت أحبابك وتتقلص الدائرة من حولك!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
ثمة لحظات لا يستطيع العقل أن يترجمها، ولا القلب أن يحتملها، ولا الذاكرة أن تتجاهلها… لحظات يُدرك فيها الإنسان أنه بات وحيدًا، لا لأن العالم خلا من البشر، بل لأن أولئك الذين شكّلوا معنى وجوده، بدأوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر، كما تتساقط أوراق الخريف على عتبة شتاءٍ بارد لا دفءَ فيه.
كلما سمعت خبر وفاة، أشعر وكأن جزءًا مني يُنتزع، وكأن قطعةً من ذاكرتي تُوارى الثرى. فالموت لا يقتصر على الغياب الجسدي، بل هو تفريغ تدريجي لمحيطك العاطفي، لفضاءاتك المشتركة، ولتلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت طعم الحياة ذات يوم.
كم هو قاسٍ أن تضيق الحلقة من حولك… أن ترى مقاعد اللقاء تُصبح شاغرة، ودفء الأحاديث يتحول إلى صمتٍ ثقيل. لا يعود الأمر متعلقًا بالزمن، بل بالشعور بأنك الناجي الأخير من جيلٍ كان يملأ الدنيا ضجيجًا وأملًا وصدقًا.
الغربة الحقيقية ليست تلك التي تُقاس بعدد الكيلومترات التي تبعدك عن وطنك، بل في فقد الأحبة الذين كانوا يمثلون لك الوطن ذاته. حين يغيبون، تُصبح المدن باهتة، والأماكن بلا ملامح، وتجد نفسك تمشي في الطرقات لا لكي تصل، بل هربًا من وجعٍ لا مهرب منه.
أصعب ما في هذه الوحدة المتنامية أنها لا تُعلن عن نفسها صراحة، بل تزحف إليك خلسة، وتستوطنك شيئًا فشيئًا. تبدأ بفقدان صديق، ثم قريب، ثم أستاذٍ أو رفيقٍ درب… إلى أن تجد نفسك تُحدّث الصور، وتُخاطب الذكريات، وتُحصي وجوه الراحلين أكثر مما تُعانق الأحياء.
ورغم هذا الفقد الثقيل، يبقى فينا بصيصٌ من الوفاء، يحملنا على الكتابة، على البوح، على التوثيق… وكأننا نرفض أن يكون الرحيل نسيانًا. نكتب كي نُبقيهم معنا، كي لا ننساهم، كي لا نُنسى نحن أيضًا حين يأتي دورنا.
إنه الموت، ذلك الزائر الصامت الذي لا يستأذن، ولا يفرّق بين من أحببناهم كثيرًا أو قليلاً… لكنه، رغم قسوته، يُذكرنا بقيمة كل لحظة، وبأن الحياة – مهما طالت – رحلة مؤقتة، نهايتها ليست سوى لحظة وداعٍ قادمة.
16/6/2025
