انهيار المنظومتين التعليمية والقضائية في العراق: الطريق نحو الهاوية!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي *
لطالما كانت الأمم تبنى بالعقول، وتُقاد بالقوانين، وتُحصّن بالعدالة والمعرفة. وإذا أراد عدو أن يُجهز على دولة دون أن يطلق رصاصة، فإن أول ما يستهدفه هو القضاء والتعليم. هاتان المؤسستان، حين تنهاران، تفتحان أبواب الجحيم على مصراعيها. وما يحدث اليوم في العراق هو صورة مرعبة لهذا الانهيار الممنهج، الذي بات يهدد ليس حاضر البلاد فقط، بل مستقبل أجيال قادمة أيضًا.
فساد التعليم: شهادات للبيع وسقوط في القيم الأكاديمية
لقد أصبحت الشهادات الجامعية، التي يفترض أن تكون معيارًا للعلم والكفاءة، أقرب إلى سلعة رخيصة في سوق نخاسة تعليمي. لا نتحدث هنا عن استثناءات فردية، بل عن ظاهرة تفشّت حتى باتت تهدد جوهر النظام التعليمي. تشير التقارير، وتؤكدها الوقائع، إلى وجود آلاف الوثائق الدراسية الصادرة من جامعات دول الجوار تُحيط بها الشبهات، وسط غياب آليات تدقيق حقيقية. والأسوأ من ذلك، أن التزوير لم يعد يُمارس في الخفاء، بل تحول إلى “عرف” تسكت عنه الجهات المعنية، إما تواطؤًا أو تقصيرًا.
ثم تأتي الطامة الكبرى فيما يسمى بالتعليم الأهلي، الذي تحول في كثير من الحالات إلى تجارة مربحة لا تخضع للرقابة، ولا تستند إلى معايير علمية أو أخلاقية. أصبحت الشهادة تُمنح لمن “هب ودب”، لا بناءً على الجهد والمعرفة، بل وفق من يدفع أكثر، أو يتقرب أكثر. كيف يُعقل أن يكون في العراق، وهو بلد يعاني من نقص الكوادر والتجهيزات، أكثر من خمسين كلية طب أسنان، ومثلها كليات صيدلة؟ من يُدرّس في هذه الكليات؟ وأين يتدرب طلابها؟ وأين سيعملون غدًا؟
سقوط الجامعات الحكومية وتهميش العقول الوطنية
في المقابل، تشهد الجامعات الحكومية – التي كانت يومًا مفخرة البلاد – تراجعًا حادًا في المستوى الأكاديمي والبنية التحتية، نتيجة للإهمال والفساد وسوء الإدارة. تم تهميش أصحاب الشهادات العليا، الذين أفنوا أعمارهم في التحصيل العلمي، ومنعوا من فرص عادلة للمشاركة في بناء الوطن. كثير منهم هجروه مجبرين، فانتشروا في أصقاع الأرض، يعانون مرارات الغربة وضيق العيش، بينما يتبوأ من لا يملك لا شهادة صحيحة ولا كفاءة منصب القرار، وينعم بخيرات العراق.
القضاء الغائب: العدالة مؤجلة والمحاسبة مفقودة
ما يزيد من مأساوية هذا المشهد أن القضاء – الذي يفترض أن يكون الرقيب والحامي – أصبح هو الآخر ضحية للترهيب أو الابتزاز أو التسييس. لم نشهد حتى اليوم محاكمات حقيقية لعصابات تزوير الشهادات، ولا محاسبة صارمة للمسؤولين عن الانهيار الأكاديمي. في ظل غياب سلطة قضائية نزيهة ومستقلة، سيبقى المزورون أحرارًا، وسيُكافأ الجهل، ويُعاقب الإخلاص، وستُقتل الكفاءات مرتين: مرة بالإهمال، ومرة بالنسيان.
نحو صحوة وطنية: لا تنمية بلا علم ولا عدالة بلا قضاء
إن ما نشهده اليوم ليس فقط أزمة تعليم، بل أزمة وطن. لا يمكن الحديث عن تنمية أو سيادة أو نهوض حقيقي من دون نظام تعليمي نظيف، ومنظومة قضائية نزيهة. هذه ليست ترفًا فكريًا أو تنظيرًا أكاديميًا، بل شرط بقاء الدولة.
لا بد من وقف الانحدار ووضع خطة إنقاذ وطني تُعيد الاعتبار للعلم والكفاءة، وتطهر المؤسسات من المزورين والانتهازيين، وتُعلي من شأن العقول الوطنية المهاجرة، التي هي كنوز العراق الحقيقية. فالوطن لا يُبنى بالضجيج، بل بالفكر الصادق والقضاء العادل.
البروفيسور وليد الحيالي
أكاديمي وباحث عراقي
11 حزيران 2025
