أحجية حزب الله!
وليد عبد الحي
شكل حزب الله منذ ظهوره في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ظاهرة سياسية متنامية في دورها وإيقاع تطورها، وسجل الحزب انجازات في تحقيق اهدافه المعلنة من قبل قيادته ، فالمسافة الفاصلة بين اهدافه ونتائج السعي نحوها لم تكن واسعة حتى أواخر سيبتمبر 2024 واغتيال حسن نصر الله الذي شكل ظاهرة قيادية ذات كاريزما أقر بها أعداء الحزب وخصومه، ناهيك عن أنه كان قارئاً نهما بخاصة لكل ما له صلة بالشأن الاسرائيلي، وصولا الى درجة ان اطروحة دكتوراه في جامعة تل ابيب اقرت في نتائج استطلاع للباحث ان نصر الله تمكن من زرع فكرة “تصديق ما يقول” بدرجة عالية بين الجمهور الاسرائيلي، وهو ما شكل اختراقا سيكولوجيا هاما.
لكن غياب نصر الله – دينامو الحزب- ترافق مع تحولات جذرية في البيئة الاقليمية الضيقة في سوريا (بوصول جهة سياسية تتسم بنزعات ثلاث هي : العداء الشديد والمطلق للحزب من ناحية والاستعداد للانسحاب من الصراع العربي الصهيوني تدريجيا من ناحية ثانية، وتقديم الدليل على “ذرائعية عميقة في بنية بعض الحركات الدينية العربية سواء الاصيلة منها او المصنوعة “، اما التحول الآخر فيتمثل في وقوف قوى عراقية –بخاصة مقتدى الصدر الذي يشكل قوة وازنة في الشارع العراقي وبخاصة الشيعي وبعض اجنحة الحشد الشعبي ناهيك عن البريماريين ( ادارة بريمر) في الادارة العراقية – ضد اي تدخل في الشأن السوري ، وعدم الممانعة في سد طريق الامداد لحزب الله، ناهيك عن محددات الحركة الاقليمية للسياسات الايرانية.
ما مستقبل الحزب في ظل المشهد السابق ؟
1- السيناريو المتشائم: ان غياب نصر الله وبعده بأيام قليلة غياب ساعده الأهم هاشم صفي الدين افرغ القيادة من مراكز الثقل فيها وكشف عن ثقوب في الجدار أوسع كثيرا مما كان يُعتقد ، وهو ما فتح المجال واسعا امام “نعيم قاسم ” لتولي القيادة، لكن القيادة الجديدة وحتى أكتوبر كانت تعلن عن انتصار وصمود في الجنوب، لكن المرحلة اللاحقة –بخاصة مع التحول الاقليمي- افسح المجال لرؤية انقلابية كاملة ، من الانسحاب من الجنوب الى التخلي عن انفاق الجنوب وصواريخها الى الالتزام التام بعدم الرد اطلاقا على اي اعتداءات اسرائيلية مهما كان حجمها او مستوى التطاول فيها الى الالتزام بعبارة ” مسؤولية الدولة ” في مواجهة اي شأن حتى لو تم اغتيال قيادات وازنة من الحزب او الاستمرار في تدمير مواقع في قلب الضاحية الجنوبية، بل ان اللهجة الاعلامية لقناة المنار تأخذ طابعا متسقا مع هذه التوجهات.
إن ما يجري في حزب الله في ظل قياداته الجديدة وشعارها ” انا على العهد” هو نفس ما كان يردده انور السادات بانه يسير على خطى عبد الناصر ، ويبدو ان قيادة الحزب الحالية هي “سادات حزب الله”، وان الانسحاب التدريجي من الصراع مع اسرائيل سيتم طبقا لنظرية المكوك الكيسنجرية(خطوة خطوة) ليتحول الحزب في نهاية المطاف الى جماعة ضغط لا اكثر ، وقد يتسارع ايقاع هذا السيناريو في حالة حدوث تغيرات سلبية في المشهد الايراني بفعل حدث داخلي او صراع خارجي.
ان هذا السيناريو لا ينكر الدور الاستراتيجي الذي لعبه الحزب بخاصة في تحرير الجنوب بنسبة عالية، ودوره في إشغال طويل للقدرات الاسرائيلية، لكن التحلل من التفكير الرغائبي يكشف الصورة القائمة حاليا كما هي في سيناريو التشاؤم.
2- السيناريو المتفائل: لعل قدرة الحزب على اعادة تنظيم نفسه تشكل قاعدة لهذا السيناريو ، لكن ذلك مرهون بتطورات لبنانية وسورية وعراقية وايرانية، ومن الواضح ان علاقة الحزب مع بعض القوى اللبنانية(بخاصة حركة امل وبعض القوى الدينية السنية وبعض القوى اليسارية او القومية) تجعله قوة مؤثرة في الخيارات الاستراتيجية للدولة اللبنانية، كما ان استمرار الفوضى في سوريا والتشققات على اساس تباينات الثقافات الفرعية واحتمالات اتساعها وغياب قوة عسكرية سورية منظمة وفاعلة بعد تفكك اغلب وحدات الجيش السوري يخفف من الضغوط على الحزب، كما ان عدم وقوع مواجهة امريكية ايرانية والتوصل الى اتفاق نووي بين الطرفين وتنامي الضغوط الاوروبية والصينية والروسية باتجاه حل الدولتين قد يحرر الحزب من ضغوط عراقيل العودة للمسيرة الاولى.
3- سيناريو البجعة السوداء: ماذا لو:
أ- لو توفي خامنئي(86 سنة) ،هل سيتم الانتقال الى قيادة مرشد جديد بيسر ام لا ؟ وما هي توجهات المرشد الجديد؟ هل سيكون مجتبى(ابن خامنئي) او علي رضا أعرافي، او غيرهما
ب- تغير النظام السياسي في دول عربية في الجبهة الشرقية بما فيها مصر.
ت- اتساع المواجهات الدولية حول اوكرانيا او تايوان.
ث- تبني مشروع حل الدولتين في مجلس الأمن تحت الفصل السابع من الميثاق (بخاصة المواد من 40 الى 43 من الميثاق).
ج- وقوع اضطرابات حادة وواسعة بين المستوطنين في الضفة الغربية وبين الامن والجيش الاسرائيلي
ح- مقتل او عزل ترامب .
4- التفاعل : قد يتولد سيناريو هجين من كل ما سبق، لكن الاتجاه الاعظم(Mega-trend ) يشير الى معطيات ترجح السيناريو المتشائم، لكن درجة حدة هذا السيناريو قد تتأرجح بين العليا وبين المتوسطة.
وتبقى “ربما ” على عرشها.
2025-06-13