إصلاح الأنظمة الضريبية والكمركية في العراق: رافعة حيوية للنمو الاقتصادي!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
الملخص:
يواجه الاقتصاد العراقي تحديات بنيوية معقدة، في مقدمتها الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، وضعف نظم الإدارة المالية العامة. ويمثل إصلاح النظامين الضريبي والكمركي حجر الزاوية لأي مشروع إصلاحي جاد يسعى إلى ترسيخ قاعدة اقتصادية مستدامة ومتنوعة. تهدف هذه المقالة إلى تقديم تحليل أكاديمي لأهمية هذا الإصلاح، وتحديد العقبات التي تعترض طريقه، مع تقديم أمثلة واقعية من الحالة العراقية، واقتراح خطوات عملية تستند إلى معايير الحوكمة الرشيدة والتجارب المقارنة.
أولاً: مقدمة
منذ عام 2003، يعيش العراق تحولات اقتصادية حادة في ظل بنية مالية متذبذبة، تهيمن فيها العائدات النفطية على أكثر من 90% من الإيرادات العامة. هذا النموذج الريعي، رغم ما يوفره من تمويل فوري، أثبت هشاشته في مواجهة الأزمات المالية والانكماشات الاقتصادية العالمية. وقد أصبحت الحاجة إلى إصلاح الأنظمة الضريبية والكمركية ضرورة وطنية، لا ترفًا تقنيًا، لضمان النمو والتوازن الاقتصادي على المدى الطويل.
ثانيًا: النظام الضريبي العراقي – تشخيص مكامن الخلل
رغم وجود تشريعات ضريبية منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أن النظام الضريبي العراقي لا يزال تقليديًا، ويعاني من:
1. ضيق القاعدة الضريبية: فئة قليلة من المواطنين والشركات تلتزم بالسداد، بينما تنشط السوق غير النظامية خارج نطاق الرقابة.
2. ضعف آليات الجباية: نتيجة التخلف التقني ونقص الكوادر المؤهلة، مما يؤدي إلى تدني نسبة التحصيل الفعلي.
3. التهرب الضريبي الواسع: بسبب غياب الشفافية وضعف الرقابة، بل وتداخل المصالح السياسية مع الأنشطة التجارية.
مثال واقعي:
وفقًا لتقرير ديوان الرقابة المالية لسنة 2022، لم تتجاوز نسبة الضرائب غير النفطية المحصلة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة متدنية جدًا مقارنةً بدول الجوار مثل الأردن (15%).
ثالثًا: النظام الكمركي – بين الجمود الإداري وهيمنة الاقتصاد الموازي
المنافذ الحدودية العراقية، بدلًا من أن تكون أداة لتنظيم التجارة وحماية الاقتصاد الوطني، أصبحت في كثير من الأحيان بؤرًا للفوضى والابتزاز والفساد، نتيجة:
1. تعدد السلطات داخل المنفذ الواحد: ما يخلق تضاربًا في الصلاحيات ويدفع التاجر للرضوخ لطلب الرشى.
2. تقديرات عشوائية للرسوم الكمركية: ما يؤدي إلى نفور المستثمرين، ويدفع كثيرين إلى التهريب.
3. ضعف الرقمنة وتفشي الاقتصاد غير الرسمي: إذ تُمرر آلاف الشحنات دون فواتير رسمية أو توثيق إلكتروني.
مثال واقعي:
تشير بيانات هيئة المنافذ الحدودية إلى أن إيرادات كمرك منفذ “صفوان” في البصرة، عام 2021، كانت تعادل أقل من ربع ما يجنيه المنفذ ذاته حين تُدار عملياته من قبل القطاع الخاص بموجب اتفاق رقابي مؤقت.
رابعًا: الأثر الاقتصادي للإصلاح – النمو عبر الشفافية والعدالة
إن إصلاح هذين النظامين يمكن أن يسهم بما يلي:
1. زيادة الإيرادات العامة المستدامة: بدون الاعتماد الكلي على النفط.
2. تحسين بيئة الأعمال: عبر توحيد الإجراءات، وتقليل كلفة الاستيراد الرسمي.
3. تحقيق العدالة الضريبية: ما يعزز الثقة بين المواطن والدولة.
4. تحفيز الصناعة المحلية: من خلال سياسات كمركية ذكية تحمي من إغراق السوق بالبضائع الرديئة.
خامسًا: خطوات مقترحة للإصلاح
1. إعادة صياغة قانون ضريبة الدخل والمبيعات بما يتماشى مع الواقع الاقتصادي.
2. تأسيس هيئة ضريبية مستقلة، على غرار التجربة المغربية، ذات صلاحيات فنية واضحة.
3. التحول إلى نظام الجباية الإلكتروني عبر منصة موحدة وطنية (e-Tax).
4. إخضاع جميع المنافذ الكمركية لنظام رقابي مركزي يستخدم تقنيات التتبع الذكي (Smart Customs).
5. تبني سياسة “الكمارك التحفيزية” للقطاعات الإنتاجية، وتفعيل الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة بعض المنافذ.
سادسًا: خلاصة واستنتاج
لا يمكن لأي مشروع إصلاحي اقتصادي أن يُكتب له النجاح في العراق من دون مراجعة جادة وشاملة للنظامين الضريبي والكمركي. فهذان النظامان يشكلان مرآة لعلاقة الدولة بمواطنيها، ومحكًّا لمصداقية مؤسساتها. إن التحديات هائلة، لكن الفرصة قائمة، إذا توفرت الإرادة السياسية، والكفاءة الإدارية، والشراكة المجتمعية في بناء عقد مالي جديد عادل وشفاف.
المراجع:
• ديوان الرقابة المالية العراقي، تقارير الأداء المالي، 2021-2023.
• هيئة المنافذ الحدودية، بيانات الإيرادات السنوية، 2022.
• البنك الدولي، تقرير “تمويل الدولة العراقية: تحديات الإصلاح المالي”، 2023.
• OECD, Tax Administration 2021: Comparative Information on OECD and Other Advanced and Emerging Economies.
2025-05-23
